لماذا قد يدفع شخص عاقل 100 ريال مقابل ورقة من فئة العشرين ريالاً؟

دخلت مجموعة في مزاد للمزايدة على ورقة من فئة العشرين ريالاً. بدأ المزاد عند واحد ريال كسعر لتلك الورقة، وانطلقت المزايدة ليرتفع السعر المعروض من ريالين إلى ثلاثة ثم إلى أربعة قبل أن يصل إلى 5 ريالات، وهكذا.

وصل السعر المعروض مقابل الورقة إلى 15 ريالا، لتتباطأ الأمور قليلاً، ويتراجع كل المشاركين باستثناء شخصين اثنين يستمران في المزايدة ليرتفع السعر إلى 16 ثم 17 ثم 18 ثم 19 قبل أن يصل إلى 20 ريالاً، وبعدها يتوقف الطرفان عن المزايدة مؤقتاً ويأخذان وقتاً للتفكير، قبل أن يعاودا المزايدة ليصل سعر الورقة إلى 21 ثم 22 ثم 23 ريالاً وهكذا...


ما الذي يحدث هنا؟ لماذا قد يدفع أي شخص عاقل ذي منطق أكثر من 20 ريالاً للحصول على ورقة من فئة العشرين ريالا؟ تستمر المزايدة ليصل سعر الورقة إلى 100 ريال! هذان الشخصان ليسا مجنونين، بل هما في واقع الأمر على قدر عال من الخبرة والتعليم، كما أن عائدات ذلك المزاد لن تذهب للأعمال الخيرية.

إذن، لماذا يتصرف هذان الشخصان بهذه الطريقة؟

في الحقيقة يكمن السر في قواعد المزاد نفسه، والتي تنص على أن صاحب ثاني أعلى سعر معروض، سيدفع ذلك السعر لمنظم المزاد، ولن يحصل على أي شيء في المقابل.

وهذا ما أطلق عليه الاقتصادي الأمريكي " مارتن شوبيك" اسم "مزاد الدولار".


الفخ!

في المزادات العادية التي نعرفها، لن يتجاوز السعر المعروض مقابل تلك الورقة الـ19 ريالاً، وهو ما يمكن صاحب أعلى سعر من تحقيق مكسب قدره واحد ريال، أو قد يصل إلى 20 ريالاً إذا أراد صاحب ذلك العرض أن يشعر بلذة الفوز، ولكن السعر بأي حال لن يتجاوز العشرين ريالاً.

لكن في المزادات التي تتم وفق قواعد "مزاد الدولار" لا تمضي الأمور على ذلك النحو. لنعود مرة أخرى ونسترجع سياق الأحداث لكي نفهم ماذا حدث بالضبط، وكيف وصل سعر ورقة من فئة العشرين ريالاً إلى 100 ريال.

بدأ المزاد على الورقة عند واحد ريال، وحينها ارتفعت الكثير من الأيدي للمشاركة، لأن المزايدة في هذه المرحلة لم تكن ضارة، حيث كانت عبارة عن صفقة رابحة بشكل واضح: تحصل على 20 ريالاً مقابل مبلغ أقل.

لكن بعد فترة وجيزة ضاق النطاق ووصل أعلى سعر معروض مقابل الورقة إلى 15 ريالاً، بدأ المشاركون بالمزاد في التفكير في كيفية تأثير القاعدة – التي تلزم صاحب ثاني أعلى سعر بدفع قيمة ما عرضه رغم خسارته – على أرباحهم المحتملة، وأحجم أغلبهم عن الاستمرار.

رويداً رويداً تراجع كل المشاركين باستثناء شخصين اثنين هما "أحمد" و"حسين". برأيك، ما الذي كان يفكر فيه "حسين" وهو صاحب ثاني أفضل عرض في تلك المرحلة؟

كان السعر المعروض من قبله هو 14 ريالا، وبهذه الطريقة لم يكن أمامه سوى خيارين لا ثالث لهما:

الخيار الأول هو أن يتوقف عن المزايدة ويخسر الـ14 ريالاً التي سيدفعها لمنظم المزاد، ليحصل على الورقة "أحمد" وهو صاحب أعلى سعر معروض (15 ريالاً)،

أما الخيار الثاني، فيتمثل في استمراره بالمزايدة وعرضه 16 ريالاً مقابل الورقة، وإذا انتهى المزاد عند تلك النقطة يحصل على العشرين ريالاً، محققا بذلك ربحاً قدره 4 ريالات.

خوفاً من خسارته واضطراره لدفع 14 ريالاً لمنظم المزاد وأملاً في الفوز، يختار "حسين" أن يستمر في المزايدة ويعرض 16 ريالاً مقابل الورقة.

ولكن "أحمد" أصبح الآن صاحب ثاني أفضل عرض. بنفس الدوافع ووفق نفس المنطق، يقرر "أحمد" عدم الوقوف مكتوف الأيدي، ويعرض 17 ريالاً مقابل الورقة.

يستمر الأمر على هذه الحال، إلى أن يتجاوز أعلى سعر معروض مقابل الورقة 20 ريالاً، لتتغير أهداف ودوافع كل من "أحمد" و"حسين".

فبعد أن كانا يتنافسان على تحقيق الربح، أصبح التنافس الآن حول من سيخسر مالاً أقل.


طبائع بشرية مثل الجشع والخوف هي ما تصل بالوضع لتلك النقطة. فكر في الأمر حين كان أعلى سعر معروض لتلك الورقة من قبل "أحمد" يبلغ 30 ريالاً، في حين كان عرض "حسين" يبلغ 29 ريالاً.

"حسين" في تلك الحالة لم يكن أمامه سوى خيارين، إما عدم القيام بشيء وخسارة 29 ريالاً، أو رفع قيمة عرضه ليصل إلى 31 ريالاً، وبذلك سيخسر 11 ريالاً فقط إذا ربح المزاد وفاز بالورقة.

المنطق والعقل يشيران إلى أن على هذين الشخصين أن يضعا حداً لخسائرهما، لأن حرب المزايدة هذه من الممكن أن تستمر نظرياً إلى أجل غير مسمى. لكن في الواقع، عادة لا ينتهي الأمر إلا عندما يختار أحدهما أن يتراجع ويسمح للثاني بالفوز. هل المنافسة هي المشكلة؟

أو بعبارة أخرى، هل يمكن أن يؤدي التعاون إلى نتيجة جيدة لكل الأطراف؟ يتساءل البعض. نظرياً، نعم، هذا ممكن. باستطاعة المشاركين بالمزاد أن يعقدوا صفقة بينهم ويتجنبوا حرب المزايدة، ويخدعوا بذلك منظم المزاد الذي يطلق عليه باللغة الدارجة "الدلال".

على سبيل المثال، إذا افترضنا أن عدد المشاركين في المزاد 9 أفراد، واستطاعوا الاتفاق فيما بينهم على أن يقدم أحدهم عرضاً بقيمة ريالين للحصول على ورقة العشرين ريالاً، وألا يقوم أي منهم بالمزايدة على هذا العرض. سيحصل ذلك الشخص على الـ20 ريالاً، وتوزع الأرباح البالغة 18 ريالاً على المشاركين بواقع ريالين لكل شخص.


إن الصراع الحالي بين الهند وباكستان على كشمير هو أحد نماذج "مزاد الدولار" في السياسة الدولية. كشمير هي الدولار الذي يجري بيعه في المزاد العلني، والنفقات العسكرية للبلدين هي العطاءات التي يتم تقديمها. و"الدلال" هو شركات السلاح الغربية التي تبيع الأسلحة للطرفين.

إذا نظرنا في دوافع "الدلال" في مزاد مثل هذا، فسنجد أن مصلحته عدم انتهاء الصراع. وهكذا لن ينتهي الصراع إلا إذا أفلس أحد الطرفين.

ولكن حتى في هذه الحالة من الممكن أن يقوم الدلال بإقراض المال للطرف الذي يقف على حافة الإفلاس لكي تستمر اللعبة، وفي نفس الوقت يشجع الطرف الآخر على الاستمرار في تقديم العطاءات. وتمثل القروض الأخيرة المقدمة من صندوق النقد الدولي إلى باكستان مثالاً على تلك الخطوة.

كثيرون يشعرون بالحيرة وعدم القدرة على الفهم حين يرون أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يقومون من ناحية بدعم باكستان مالياً من خلال صندوق النقد الدولي، ومن ناحية أخرى يؤكدون على أن الهند هي الطرف المتضرر في النزاع على كشمير.

لكن هذه الحيرة تزول حين تدرك أن هذه التحركات المتناقضة في ظاهرها ما هي إلا استراتيجية تضمن عدم انتهاء الصراع في وقت قريب.

بغض النظر عن أي شيء آخر، إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل، هي أن الحرب مكلفة للجميع باستثناء مصنعي السلاح.

في نهاية فيلم الخيال العلمي الأمريكي الشهير "مناورات" (WarGames) الصادر في عام 1983، أدرك الأبطال حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن أفضل طريقة للفوز في لعبة الحرب النووية هي عدم التورط فيها من الأساس.

2أخيراً، إن الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها الفوز في "مزاد الدولار" هي من خلال عدم المشاركة فيه، وإذا حدث وفعلت، فاحرص على الخروج منه في أبكر وقت ممكن، وضع حداً لخسائرك. أو توصل إلى حل وسط مع الخصم يجنبكما "تصعيد النزاع" لأن هذا لن يفيد أحدا سوى "الدلال".

أضف تعليقك

تعليقات  0