قروض صندوق النقد الدولي.. ضرورة للاقتصاد أم تدمير له ؟

على الرغم من أن صندوق النقد الدولي يشكل أحد الأركان المهمة لنظام "بريتون وودز" الذي يحكم الاقتصاد العالمي منذ أكثر من 70 عامًا إلا أنه لا يزال يثير الجدل بين هؤلاء المشددين على أهمية دوره في دعم الدول النامية من جانب، وأولئك المحذرين من خطورته على توزيع الدخل وآثاره الاجتماعية السلبية من جانب آخر.


فمع معاناة بعض الدول من عجز في الموازنة، تضطر للاستعانة بالصندوق للحصول على موارد تساعدها على سد عجز الموازنة، فضلًا عن رغبة تلك الدول في دفع معدلات نموها للأمام، أو حتى الاستعانة بالتمويل الطارئ لمواجهة كوارث طبيعية مفاجئة أو أزمات اقتصادية غير متوقعة.


المعاناة اليونانية

وعلى سبيل المثال، وصلت اليونان إلى حد اقتراض قرابة 120 مليار دولار من مجموعة من الدائنين على رأسهم صندوق النقد الدولي، والذي تشير تقديرات "سي.إن.بي سي" لإقراضه الدولة الأوروبية قرابة 50 مليار دولار، غير أن ذلك لم يمنع الوضع في اليونان من التدهور حتى بلغت نسبة الديون الحكومية 175% من الناتج المحلي عام 2015.

ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد بطبيعة الحال إلى الآثار الاجتماعية، فمع ارتفاع البطالة إلى نسب تتراوح بين 20-25% بفعل برامج الإصلاح الاقتصادي التي تم إقرارها، فضلًا عن إلغاء كافة أشكال الدعم الحكومي أصبحت المظاهرات العنيفة مشهدًا معتادًا في اليونان.

ولولا التدخل الألماني- الأوروبي لمساندة الدولة الجارة كانت الأمور مرشحة للانهيار بصورة تامة في اليونان عام 2015، حتى أن "جارديان" تعتبر اليونان "محظوظة" بسبب وجودها في القارة العجوز حيث أصبح جيرانها "مجبرين" على مساندتها حرصًا على استقرار منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي، ولسد العجز المتنامي في الموازنة الحكومية.

ويشير موقع "فورين أفيرز" إلى سلبيات برنامج الإنقاذ لصندوق النقد الدولي لليونان، حيث تشير التقديرات إلى زيادة نسبة الفقراء 7% خلال 3 أعوام فحسب بسبب إلغاء الكثير من أشكال الدعم الحكومي والمنح النقدية المباشرة بما زاد الضغط على الطبقات الأشد فقرًا.

الأزمة الآسيوية وكثيرًا ما يثير دور صندوق النقد الدولي في الأزمة الآسيوية قبل 20 عامًا لغطًا كبيرًا حوله، فعلى الرغم من تدخل الصندوق لمساندة غالبية دول المنطقة، إلا أن انتقادات عنيفة نالت الصندوق لأنه لم يستطع التنبؤ بالأزمة قبل وقوعها.


وعلى سبيل المثال فإن تايلاند حصلت على قروض بلغت 4 مليارات دولار عام 1997، مما يفوق خمسة أضعاف حصة تايلاند لدى الصندوق، على أن تحصل عليها على مدار 34 شهرًا ضمانًا لحسن استغلال القرض. وعلى الرغم من حصول تايلاند على القرض إلا أن ذلك لم يمنع وصول معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي إلى -8% في عام 1998، لتكون هي الأسوأ على الاقتصاد حينها منذ الحرب العالمية الثانية، وازدادت الديون الحكومية الخارجية للبلاد.

يأتي هذا على الرغم من التدخل الصيني لمساندة تايلاند، ولعل أبرز أشكاله ضمان بكين لمدفوعات الحكومة التايلاندية لشراء السلع الاستراتيجية مما جنب البلاد الوقوع في أزمة سيولة طاحنة حال عدم قدرتها على الشراء بالأجل.

أما إندونيسيا فقد أقر الصندوق منحها 10 مليارات دولار عام 1997، وكان الهدف المعلن من هذا القرض وبرنامج الصندوق "استعادة ثقة الأسواق" في الاقتصاد، إلا أن هذا لم يمنع تسجيل الدولة لمعدل نمو ناتج محلي حقيقي سالب بلغ -16% في العام المالي 2018-2019. وبسبب حجم القرض الكبير نسبيًا في حالة إندونيسيا تدخل الصندوق في كل شيء في الاقتصاد تقريبًا بما في ذلك التوجيه لضرورة القضاء على الاحتكار وإقرار برامج لذلك، وتغيير طبيعة النظام البنكي، وتحرير أسعار الصرف تمامًا من التدخل الحكومي.


اثار سلبية في آسيا وعلى الرغم من تدارك البلاد للأزمة وتحسن معدلات النمو الحقيقية إلى -2% إلا أن هذا لم يكن بلا آثار سلبية على الاقتصاد بما فيها ارتفاع الدين الخارجي 10% خلال عام واحد، وزيادة عجز الموازنة 1.2% أيضًا.

أما الحالة الكورية فلا تختلف كثيرًا عن مثيلتها في إندونيسيا وتايلاند، إذ أقر الصندوق منح الحكومة الكورية 21 مليار دولار على مدى 3 سنوات عام 1997، غير أن ذلك لم يكن كافيًا لإنقاذ البلاد من نسبة نمو ناتج محلي حقيقي بلغت -7%، مع ارتفاع مستوى الأسعار العام بنسبة 6%.


وحصلت الدول الآسيوية الثلاث على قروض بلغت 117 مليار دولار خلال 3 سنوات، غالبيتهم (55 مليار دولار) من اتفاقات قروض ثنائية، و36 مليار دولار فقط من الصندوق، و26 مليار دولار من اتفاقات متعددة الأطراف.

ولذلك كانت الانتقادات للصندوق بالتأخر في التحرك بما فاقم الأزمة بشدة، وترك تلك الدول فريسة للاتفاقات الثنائية، ثم فرض أسعار فائدة وآجال سداد متعسفة على الدول المتعثرة، فضلًا عن الانتقادات التقليدية المتعلقة بالآثار الاجتماعية لبرامج الصندوق على الفقراء ومستويات التضخم.


معاناة المزارعين

وفي بيرو اضطر الكثير من المزارعين للتحول لزراعة محاصيل ممنوعة (تلك المنتجة للمخدرات) بسبب اتفاق حكومتهم مع صندوق النقد على إطلاق حرية استيراد القمح بما جعلهم فريسة أمام كبار منتجي القمح الكبار في الولايات المتحدة الذين يحظون بدعم حكومي ويتمتعون بوفورات اقتصادات الحجم الكبير.

وتشير دراسة لجامعة "ستانفورد" إلى أثر صندوق النقد السلبي على المزارعين في أفريقيا ولا سيما في دول مثل غانا وزامبيا، حيث فرض الأول على الدولتين التخلي عن سياسة دعم المزارعين قبيل حصولهم على تمويل الصندوق بما كان له تداعيات كبيرة.

ففي الكثير من دول غرب أفريقيا لم يتمكن المزارعون من منافسة الإنتاج الزراعي الأوروبي والأمريكي –المدعوم- بما أدى لتراجع لافت في النشاط الزراعي، حيث تقدر الدراسة أن النشاط الزراعي تراجع بمعدل 20% بين عامي 2002 (عام إلغاء الدعم والجمارك على المحاصيل الزراعية) و2005 فحسب.


أما البرازيل فقد كانت من أوائل الدول التي حصلت على العديد من القروض من الصندوق في بداية ثمانينيات القرن الماضي، غير أن ذلك أنتج اقتصادًا هو أحد أكثر الاقتصادات العالمية اختلالًا في توزيع الدخل بامتلاك 10% من السكان لقرابة 60% من الأصول في البلاد، ومعاناة 20% من السكان من فقر مدقع.

ولم تبدأ البلاد في الخروج من سلبيات برامج الصندوق إلا مع مرحلة الرئيس السابق "لولا دا سيلفا" الذي أقر سياسات اجتماعية تترافق مع سياسات الإصلاح الاقتصادي، بما قلل كثيرًا من آثار سياسات الصندوق السلبية على الفقراء.


سبب اللجوء لصندوق النقد

ولا تقتصر التجارب السلبية على تلك الدول فحسب بل تمتد لتشمل معاناة دول مثل لاتفيا وباكستان من معدلات تضخم وفقر عالية للغاية، السبب الرئيس فيها يرجع لتبني برامج الصندوق للحصول على التمويل المطلوب لدفع عجلة النمو، وعلى الرغم من ذلك تتفاوض إسلام آباد هذه الأيام على قرض جديد (سيكون الثالث عشر لها) من صندوق النقد.

وعلى الرغم من السلبيات العديدة للاقتراض من صندوق النقد، إلا أن دولًا كثيرة لا تجد له بديلًا حيث تعتبره كافة وكالات تصنيف الديون بمثابة المعيار الذي يتم الحكم منه على مدى "جودة" تلك الديون، وبالتالي تسعى للحصول على "شهادته".

وتلفت "ستانفورد" إلى الأزمة المتعلقة بآلية الحصول على القروض في صندوق النقد الدولي، فبعد استنزاف الدولة لحصتها الرسمية، تحتاج للحصول على موافقة الدول الممولة للصندوق، حيث تتمتع كل دولة بوزن تصويتي نسبي يتوافق مع حصتها في تمويل الصندوق.


وبناء على ذلك تتمتع الولايات المتحدة بحوالي 17.6% قوة تصويتية وأوروبا مجتمعة بحوالي 30%، بينما يتمتع سائر العالم أجمع بقرابة 50% قوة تصويتية، ليبقى إقرار أي قرض في الصندوق مقترنا بموافقة الولايات المتحدة وأوروبا بينما تبقى بقية العالم في موقع المتفرج.

وعلى الرغم من أن غالبية التجارب المتعلقة بصندوق النقد الدولي تبدو سلبية، تظهر تجارب أخرى إيجابية لا سيما في منطقة شرق أوروبا التي ساعدها الصندوق على الانتقال من مرحلة الاقتصاد الموجه إلى مرحلة اقتصاد السوق.

وتأتي لاتفيا و صربيا والتشيك في صدارة تلك الدول، حيث ازداد الناتج المحلي الإجمالي لها بنسب تتراوح بين 5-8% سنويا بفعل الانخراط في برامج الصندوق في تسعينيات القرن الماضي وفقا لتقديرات "فاينانشيال تايمز" بل وتحسن توزيع الدخول في الكثير منها.

ويرجع ذلك إلى تبني غالبية تلك الدول لبرامج إصلاح اقتصادية ذات صبغة محلية تراعي الاختلافات الاقتصادية بين دولة وأخرى فضلا عن الرغبة الأمريكية والأوروبية في إنجاح تلك التجارب حرصا على ضم تلك الدول للمعسكر الغربي لاعتبارات سياسية.

ويثير الكثيرون تساؤلات منطقية حول احتمالية استمرار صندوق النقد الدولي في لعب دور مؤثر في الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة من عدمه في ظل اتجاه الكثير من الدول للإجراءات الحمائية وامتناع الكثير من الدول التي تعاني اقتصاديًا عن اللجوء إليه.

أضف تعليقك

تعليقات  0