لماذا تعتمد الكثير من الدول على روسيا لبناء محطاتها النووية؟

في مارس/آذار 2011، وقعت هزة أرضية قبالة سواحل اليابان تسببت في موجات مد بحري "تسونامي" اجتاحت منشأة "فوكوشيما" وأسفرت عن إغلاقها، واعتبرت أسوأ كارثة نووية منذ أزمة مفاعل "تشيرنوبل" الذي تعرض للانفجار في ثمانينيات القرن الماضي.

ألقت كارثة "تشيرنوبل" بظلالها على صناعة الطاقة النووية بوجه عام حيث تراجعت وتيرة توليد الكهرباء من محطات نووية بنسبة 11% في عامين بعد الكارثة، ولم ترتفع منذ ذلك الحين.

ورغم هذا الانخفاض في الاعتماد على المنشآت النووية كمصدر لتوليد الكهرباء، هناك دولة وحيدة لا تزال تهيمن على السوق وتصدر تكنولوجياتها وصناعتها لدول أخرى، ألا وهي روسيا، وفقا لتقرير نشرته "الإيكونوميست".


صادرات الطاقة النووية

- تراجع الطلب المحلي على الطاقة في روسيا الأمر الذي قيد خطوات الحكومة لبناء محطات نووية جديدة، ولكن شركة "روس أتوم" الحكومية لمحطات الطاقة النووية اتجهت للخارج.

- ركزت "روس أتوم" على ما يصفه أحد المحللين بـ"الوسط الكبير العظيم"، وهم عبارة عن الدول التي ليست من الحلفاء المقربين لا من الولايات المتحدة ولا من روسيا.

- في أبريل/نيسان الماضي، بدأت روسيا بناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا بتكلفة 20 مليار دولار، وسوف ينتهي العمل من بناء أول مفاعل بحلول عام 2023، وأكدت "روس أتوم" على أن لديها طلبيات لبناء 33 محطة جديدة في دول أخرى بتكلفة 130 مليار دولار والعديد منها قيد البناء بالفعل في دول مثل الهند وبنجلاديش والمجر.

- اعتبرت صادرات الطاقة عمودا رئيسيا في السياسة الخارجية الروسية منذ فترة طويلة وكانت هذه الصادرات في شكل النفط والغاز وأيضا تكنولوجيا الطاقة النووية.

- راهنت موسكو بشكل كبير على مبيعات المفاعلات النووية وتقنياتها لأنها تدر عليها أموالا أكثر من الوقود الأحفوري نظرا لأن الأولى يصحبها عدة خدمات مثل الوقود النووي وتدريب المهندسين والفنيين والجهات التنظيمية المعنية.

- تدر كل منشأة نووية مليارات الدولارات على الموازنة الروسية ولا تتأثر بأي تقلبات في أسعار السلع على غرار النفط كما أن هذه المشروعات تعزز علاقات الزبائن بالكرملين.

- عند اكتمال تلك المشروعات، توفر المنشآت النووية دعما دبلوماسيا واضحا للعلاقات الخارجية الروسية، كما تثبت أقدام الكرملين في تلك الدول، فمن الممكن من الناحية النظرية مثلا رفع أسعار اليورانيوم أو إغلاق مفاعل تديره "روس أتوم".

- بالتأكيد تظل العلاقات قوية بين الزبائن والمصدر في السنوات الأولى من مشروعات الطاقة النووية مع الأخذ في الاعتبار أن الجانب المحلي يظل خاضعا للتدريبات وتوجيهات المُصدر.


سلاح جيوسياسي

- تكمن الخطورة في أن تصبح محطات الطاقة النووية التي تديرها روسيا في دولة ما مصدرا هائلا لتوليد الكهرباء – حيث يعني ذلك الاعتماد بشكل كبير على موسكو – على سبيل المثال، ستولد محطة "روب بور" في بنجلاديش" 2400 ميجا واط تشكل 15% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.

- منذ فترة طويلة، اعتادت الدول المتعاونة مع روسيا في مجال الطاقة – لا سيما الضعيفة منها – على استغلال موسكو الطاقة كسلاح جيوسياسي، وظهر ذلك جليا في تقييد إمدادات الغاز لدول شرق أوروبا في الشتاء مع تنامي التهديدات.

- في عام 2015، أطلقت روسيا هجوما سيبرانيا على أنظمة توزيع الكهرباء في أوكرانيا كما اتهمت وزارة الداخلية الأمريكية موسكو مؤخرا بتورط وكالاتها الاستخباراتية في قرصنة غرف التحكم في منشآت الطاقة في الولايات المتحدة. - رغم ذلك، يرى محللون أن أي تأثير للكرملين على منشآت الطاقة النووية في الدول التي تستورد تكنولوجياتها يمكن تقييده بواسطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

- يضعف تأثير "روس أتوم" بمرور الوقت نظرا لأن الكثير من العملاء يصرون على تدريب عناصرهم الهندسية والفنية لتشغيل منشآتهم النووية بأنفسهم كما أصبح من الممكن الحصول على الوقود النووي من مصادر أخرى بخلاف روسيا. - تظل المخاوف سارية، ففي عام 2017، عرقلت محكمة جنوب إفريقية صفقة بقيمة 76 مليار دولار مع "روس أتوم" أبرمت بشكل شابه السرية والفساد بين الرئيس السابق "جاكوب زوما" ونظيره الروسي "فلاديمير بوتين".

- بدأت "روس أتوم" هذا العام بناء مفاعل نووي في المجر بعد أشهر من استقبال دافئ للرئيس "بوتين" في "بودابست"، ويتم تمويل الصفقة بقرض روسي بحوالي 11.6 مليار دولار بالإضافة إلى تزويدها بالوقود.

- ثبتت روسيا أقدامها في الدول الأخرى بفضل برامجها النووية لسببين الأول أن تصميماتها وتكنولوجياتها رخيصة التكلفة والثاني أن "روس أتوم" تتمتع بدعم حكومي هائل في مواجهة منافسين كبار في الصناعة مثل "أورانو" الفرنسية التي لم تبن سوى منشأتين فقط في العشر سنوات الماضية.


- في الآونة الأخيرة، لم يوجد أي منافس رئيسي لروسيا في تصدير التكنولوجيا النووية سوى الصين التي وضعت لها قدما في دول مثل بريطانيا والأرجنتين وتركيا.

- مع ذلك، لا تزال روسيا صاحبة اليد العليا في تصدير التكنولوجيا النووية على المنافسين الآخرين خاصة في عالم يتعطش لتوليد المزيد من الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة.

أضف تعليقك

تعليقات  0