عالم مثقل بجبال من الديون.. من الدائن ومن المدين؟ وكيف يشكل التعثر فرصة استثمارية؟

كشفت "كريستين لاغارد" رئيسة صندوق النقد الدولي -أحد أكبر مقرضي الحكومات في العالم-ارتفاع الدين العام والخاص العالمي إلى 182 تريليون دولار، أو ما يعادل 224% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مواصلًا تخطيه للمستويات القياسية.

ويأتي ذلك بعدما صرح مسؤولو الصندوق في أبريل/ نيسان الماضي، بأن بلوغ الديون مستوى قياسيًا، جنبًا إلى جنب مع النشاط المتسارع لدورة الأعمال، يستدعي تركيز الحكومات على تهيئة ممتصات الصدمات وخفض مستويات الدين العام لمواجهة التحديات التي لا مفر من وقوعها في المستقبل.


الصين وحدها كانت مسؤولة عن أكثر من 40% من الزيادة في الديون العالمية منذ عام 2007، فيما بلغ متوسط مستويات الديون في الأسواق الناشئة 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى لها منذ ثمانينيات القرن العشرين، وهي الحقبة التي شهدت الأزمة المالية في أمريكا اللاتينية.

ورغم شطب جزء كبير من ديون البلدان الأكثر فقرًا منذ عام 2005، رصد الصندوق نموًا في معدلات الدين إلى الناتج المحلي في هذه البلدان والتي تخطت 40%، نصفها ديون بشروط غير تساهلية وهو ما يزيد عبء الفائدة، وأشار محللو الصندوق إلى أن 40% من البلدان منخفضة الدخل معرضة حاليًا لخطر شديد.

الديون العالمية هي قضية تؤرق أذهان الحكومات والمؤسسات المالية الدولية بشكل كبير منذ اندلاع الأزمة المالية قبل عقد من الزمان، ويندرج تحت هذا المصطلح ديون الحكومات والأسر والشركات غير المالية.


وإذا أضيفت ديون القطاع المالي إلى هذا الرقم فإنها ستتجاوز 245 تريليون دولار، يكون نصيب الأسد منها للشركات غير المالية بنسبة 30%، و27% للحكومات و25% للقطاع المالي، و19% للأسر، وفقًا لبيانات معهد التمويل الدولي الصادرة خلال الصيف الماضي.

تضخم هذه الديون قد ينذر بوقوع أزمة جديدة كتلك التي اندلعت من الولايات المتحدة على خلفية الرهونات العقارية السيئة، وامتد آثرها بعد ذلك إلى مناطق أخرى من العالم، أو ربما تخضع البلدان (والشركات أيضًا) في النهاية لقبضة المستثمرين الطامعين في الهيمنة على مقدراتها كما طالعنا في تقريرنا حول "بول سينجر".

الدين يساوي ثروة..

وأحيانًا إفلاس

- هنا يتبادر للأذهان سؤال هام وجوهري، من يدين العالم بهذه الأموال؟ بكل بساطة سكان العام هم من يدينون بعضهم البعض، فكل التزام مالي يتضمن دين يقابله أصل مالي مماثل، وجميع هذه الأصول مملوكة في النهاية من قبل شخص ما، فحتى المواطن العادي الذي يضع أمواله في حساب مصرفي، من المرجح أن يوجه البنك هذه الأموال لإقراض شخص آخر، وبالتالي فإن أصله المالي أصبح مسؤولية مالية لهذا الشخص، وبشكل عام يمكن اعتبار الدين أحد أوجه الثروة، وفقًا لما جاء في تقرير لـ"الإندبندنت".

- إذن، فمن غير المهم نمو الدين العالمي لأنه سيعني أيضًا تزايد الثروة العالمية؟ ليس تمامًا، تتمثل الوظيفة الاقتصادية للدين في السماح للجهات الفاعلة بإنفاق أكبر حجمًا مما تحققه من دخل، في حالة الأسر والشركات قد يكون ذلك إجراء مؤقت نظرًا لبعض الضغوط المالية التي ستنتهي مع الوقت، أو ربما لتوسيع القدرة الإنتاجية المستقبلية، مثل الإنفاق على التعليم بالنسبة للآسر أو تعزيز قدرات الشركة، وهو نوع حكيم للغاية من الاقتراض.


- لكن تأتي المشكلة عندما تصل الاستدانة إلى حد الإفراط، ولا يمكن للمدين سداد الدفعات المجدولة أو تحمل خدمة الدين، ما قد يقوده إلى الإفلاس وبالتالي يفقد المُقرض ثروته بشكل مفاجئ، كما أن الخطر الأكبر في الاستدانة هو عدم التوظيف الحكيم للأموال ما ينذر بعدم القدرة على سدادها مستقبلًا.

- أما الحكومات، فتعد حالة غاية في الخصوصية، لأن باستطاعتها جمع الأموال عبر الضرائب وبالتالي هي قادرة على ضبط الدخل الذي تحققه، كما أنها في كثير من الأحيان تقترض المال بعملة تطبعها البلاد، وفي أسوأ الأحوال ستتمكن من سداد التزاماتها عبر طباعة المزيد.

- تتميز الحكومات أيضًا بأن عمرها مطلق، خلافًا للأفراد، ما يمكنها من الاقتراض إلى آجال بعيدة للغاية، ويمنحها فرصة للحصول على الديون بشروط أسهل من الشركات والآسر، ومع ذلك فإن بعض الحكومات قد تفرط في الاقتراض وتقود البلاد إلى أزمة مالية، وهي نظرة تلاحق دائمًا بلدان العالم النامي التي تتسم إداراتها بالفوضوية والفساد.

خطر محدق

- في عام 2015، عندما كان الدين العالمي أقل بكثير مما هو عليه الآن، قالت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" إن العالم بات عالقًا في فخ يصعب الفرار منه، حيث يحتاج إلى المزيد من الديون للإنفاق الحكومي والخاص من أجل تحفيز الاقتصادات، وفي الوقت نفسه فإن ارتفاع معدلات الاقتراض ستقود إلى أزمة مالية أخرى أشبه بما حدث عام 2008.

- في صيف عام 2018، قال "هونغ تران" المدير التنفيذي في معهد التمويل الدولي: يمكن أن يحفز الدين النمو الاقتصادي أو ربما يعوقه، ونحن الآن على مقربة من نقطة تحول، إذا كان النمو القائم على الدين غير مستدام كما أعتقد فستتباطأ وتيرة الإقراض وربما تتوقف.

- يرى "تران" ضرورة في تحول العالم بعيدًا عن النمو الممول من الديون، وأن تراكم الالتزامات الهائل (سواء على الشركات أو المستهلكين أو الحكومات) سيعني أن على العديد من البلدان التعامل مع تداعيات في المستقبل سيكون لها آثار على الاقتصاد العالمي.


- أضاف "تران":

إذا كانت ديونك مرتفعة فأنت بحاجة لخفضها، إما بشكل مطلق أو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وكلا الطريقتان ستؤديان في النهاية إلى تباطؤ نمو الاقتصاد، ولا ينبغي الحفاظ على الإنفاق الاستثماري أو الاستهلاكي القوي.

- قد يؤدي ارتفاع الديون الحكومية إلى عرقلة الإنفاق في مجالات البنية التحتية التي يمكن أن تدفع النمو، وبالنسبة للاقتصادات الناشئة، من المتوقع ارتفاع الديون الحكومية بها إلى 52.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، من 37.4% في 2012، وفقًا لموقع "لايف مينت".

- من المتوقع استمرار نمو الديون الحكومية في الأسواق الناشئة حتى عام 2023، وهذا سيؤدي للضغط على تكلفة الاقتراض ويزاحم الاستثمارات الخاصة، ما يعني أن المستوى المرتفع من الديون الحكومية سيشكل عائقًا أمام النمو على المدى المتوسط والطويل.

- بحسب صندوق النقد الدولي، فإن المستوى المرتفع من الديون الحكومية يعني مساحة أقل للسياسات المكافحة للضغوط المحتملة في النظام المالي أو الانكماش الاقتصاد.

الديون المتعثرة:

مصائب قوم عند قوم فوائد - كما أشرنا سابقاً، يتحين البعض اللحظة المناسبة للانقضاض على أصول المقترض عند تعثره مثلما فعل "بول سينجر" أو حتى لمنحه فرصة للبدء من جديد أملًا في تحقيقه عائدات مناسبة في المستقبل واسترداد قيمة الاستثمار في تعثره مضاعفة.

- ويمكن لصناديق التحوط أن تحقق عائدات ضخمة في فترات زمنية قصيرة نسبيًا عبر الاستثمار في الديون المتعثرة، لكن الخطر هنا مرتفع للغاية، فكما يمكنها جني المكاسب سريعًا قد تفقد قدرًا كبيرًا من أموالها بنفس السرعة.

- على صعيد الشركات، يمكن تعريف هذا النوع من الديون بأنه التزامات الشركات التي تقدمت بطلب لإشهار إفلاسها أو من المحتمل ان تقدم على هذه الخطوة قريبًا، ومع أن المخاطرة المتعلقة باحتمال التخلف عن السداد كبيرة، إلا أنها تعني أيضًا عائدًا محتملًا، وفقًا لـ"إنفستوبيديا".


- الديون المتعثرة تباع بنسبة منخفضة للغاية من قيمتها الاسمية، وإذا تمكنت الشركة المنكوبة من تجاوز الإفلاس واستجماع قوتها على الاستمرار، فسوف تكون الصناديق قادرة على بيع ديونها المتعثرة في السابق بسعر أعلى بكثير.

- بالإضافة إلى ذلك، عندما يشتري صندوق أو مستثمر مال ديون شركة متعثرة، فإنه لا يقوم فقط بحيازة الدين، وإنما ينتهي الأمر عادة بمنحه بعض السلطة على هذه الشركة، وفي كثير من الأحيان تتفاوض صناديق التحوط على الشروط التي تمنحها دورًا نشطًا في الشركات المضطربة التي تستهدف شراء بعض ديونها المتعثرة.

أضف تعليقك

تعليقات  0