كيف تنجرف أمريكا نحو "رأسمالية توارثية" تمنح الهيمنة المطلقة لفاحشي الثراء؟

لا تكاد تخلو الصحف والوسائل الإعلامية من الأخبار التي تتحدث عن عدم المساواة في الولايات المتحدة، فكل عام تظهر إحصاءات جديدة صادمة تعكس واقع تركز الثروة والسلطة في يد عدد قليل جدًا من الأشخاص فيما تعاني أجور نصف العاملين في البلاد من الركود منذ عقود، بحسب تقرير لـ"الجارديان".

الثلاثة أشخاص الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة، وهم "جيف بيزوس" و"بيل غيتس" و"وارن بافيت"، لديهم الآن ثروة هائلة تعادل ما يملكه النصف الأقل دخلًا في البلاد، ويرجع ذلك إلى كون خُمس الأسر الأمريكية ليس لديها أي ثروة أو أنها مدينة، بالإضافة إلى خُمس آخر يملك القليل جدًا من الثروة التي يمكن أن يفقدها في أي وقت.

وتعليقًا على عدم المساواة في أكبر اقتصاد في العالم، قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأسبق "بول فولكر" ذات مرة: نحن نتطور إلى بيئة بلوتوقراطية (حكم الطبقة الثرية مع تزايد عدم المساواة).

تعاظم ثروة الأثرياء - أحد المؤشرات المثيرة للقلق هنا، هو الانجراف نحو مجتمع يقوده الأثرياء، حيث يتواصل نمو ثروات هذه الأسر لعدة أجيال، وهو ما حدث بالفعل مع أكثر العائلات الأمريكية ثراءً، وهي "والتون" ورثة متاجر "وول مارت"، وعائلة "مارس" ورثة صانعة الحلوى الشهيرة، و"كوخ" ورثة "كوخ إندستريز" ثاني أكبر شركة خاصة في البلاد.

- هذه العائلات الثلاثة تمتلك ثروة تقدر بنحو 348.7 مليار دولار، وهو ما يعادل أربعة ملايين مثل متوسط ثروة الأسرة الأمريكية، ومنذ عام 1982، ارتفعت هذه الثروة بنحو 6000% (مع مراعاة آثار التضخم) فيما انخفض متوسط ثروة العائلات العادية بنسبة 3% خلال الفترة عينها.

- بالنسبة لثروة عائلة "والتون" فقط، فقد نمت من 690 مليون دولار عام 1982 (ما يعادل 1.81 مليار دولار اليوم) إلى 169.7 مليار دولار هذا العام، ما يمثل زيادة تتجاوز 9000%.

نفوذ المال على السلطة - عادة ما تتضاءل الثروة مع تناقلها من جيل إلى آخر، حيث تُنفق الأموال على يد الورثة، ويُعطى جزء منها إلى الجمعيات الخيرية أو الضرائب، لكن عندما تتدخل العائلات لإحكام قبضتها على حركة هذه الأموال، تستمر الثروة في النمو حتى مع تزايد أعداد الورثة.

- استخدمت العديد من العائلات ذات الصلة بمتخذي القرار نفوذها الواسع لإنجاح هذا التدخل، وأنفقت الملايين للحفاظ على مليارات أخرى، ومثلًا، ضغطوا على الكونجرس لتطبيق قواعد تعظم ثرواتهم، بما في ذلك التخفيضات الضريبية والسياسات العامة التي من شأنها إثراء مشاريعهم.

- في أوائل الألفية الثالثة، شكلت عائلات "مارس" و"والتون" و"غالو" لوبي للضغط من أجل إلغاء الضريبة الفيدرالية على العقارات، والتي كان يتحملها فاحشو الثراء، ومنذ ذلك الحين أيضًا، شكل الأخوان "كوخ" شبكتهما المانحة الشهيرة للضغط من أجل تخفيض الضرائب على الأغنياء والتراجع عن بعض القوانين المرتبطة بصناعة الطاقة التي تشكل مصدر ثروتهما.

- البعض الآخر من العائلات فاحشة الثراء، يستخدم النفوذ لإخفاء الثروة الحقيقية ونقلها إلى الورثة، إنهم يستعينون بجيوش من محاسبي الضرائب، ومديري الثروات، والمحامين، لصياغة الوصايا وإنشاء الصناديق والحسابات الخارجية والشركات الوهمية، بغرض تحريك الأموال بحرية أكبر وتفادي الضرائب والمساءلة.

- على سبيل المثال، استعمل الملياردير "شيلدون أديلسون" آلية معقدة للوصايا لتمرير 7.9 مليار دولار إلى أبنائه، وتجنبه دفع 2.8 مليار دولار من الضرائب على الهدايا والعقارات، مؤخرًا سجل "أديلسون" مستوى قياسيًا من الإنفاق الخاص على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، حيث تبرع بأكثر من 100 مليون دولار للحملات الانتخابية.

الهيمنة المطلقة للمال

- ليس كل الأثرياء يركزون على بناء ثروات هائلة للأجيال القادمة، فمثلًا، قرر "وارن بافيت" وهو ثالث أغنى رجل في العالم، عدم تمرير ثروته إلى أبنائه، وتعهد بمنحها للأعمال الخيرية والمساهمة في الصالح العام من خلال دفع الضرائب.

- بدلًا من الضغط في سبيل تخفيض الضرائب، أبدى "بافيت" في شهادته أمام الكونجرس، تأييده لفرض ضريبة العقارات، قائلًا:

الثروة ذات الصلة بالطبقة الحاكمة هي عدو للجدارة، وهي في ازدياد، بينما المساواة آخذة في التراجع، هناك حاجة لهذه الضريبة للحد من التحول نحو البلوتوقراطية.

- في مواجهة قوانين الضرائب الضعيفة والثروات الضخمة المختبئة، سيظل العالم يميل نحو هيمنة الطبقة فائقة الثراء على السلطة والمال معًا، وهذا عالم لا أحد يرغب في أن يكون جزءًا منه بالتأكيد.

- يقول الاقتصادي الفرنسي "توماس بيكيتي": إذا لم نتدخل لتغيير هذه الديناميكيات، فإننا نتجه نحو "رأسمالية توارثية"، حيث سيهيمن ورثة المليارديرات على السياسة والثقافة والأعمال الخيرية وحتى الاقتصاد.

أضف تعليقك

تعليقات  0