كيف حقق جيل الإنترنت مكاسب كبيرة رغم الأزمة المالية العالمية؟

أمضى روبير علام طفولته بين لبنان واليونان قبل أن ينتهي به المقام في المملكة المتحدة، وهو اليوم في الثانية والثلاثين من عمره.

وحين قدم إلى لندن أول مرة عام 2006 كان ذلك بهدف الالتحاق بالجامعة، وقد حصل على درجة الماجستير في الهندسة العمرانية من جامعة إيست لندن.

ورغم أنه قصد لندن أيضا للبحث عن عمل أفضل، إلا أنه وجد نفسه بلا وظيفة، إذ تخرج في فترة شهدت كسادا عالميا وشحا في الوظائف في مختلف المجالات.

وكان أبناء جيل الألفية أكثر المتضررين من الأزمة المالية عام 2008، إذ ضخت الجامعات خريجيها في سوق عمل استغنى عن 30 مليون شخص آخرين في الفترة ما بين 2007 و2010.

وشغل 43 في المئة من الخريجين الجدد في الولايات المتحدة وظائف لا تتطلب دراسة جامعية، فأمضى أبناء ذلك الجيل السنوات العشر التالية في محاولة للحاق بالركب على خلفية التقشف المالي.

وبينما كان علام يبحث عن عمل بعد تخرجه عام 2013 في لندن، بدأ ينشط على موقع "ريديت" لكن باسم مستعار هو "غالوبوب".

ويأتي موقع ريديت في المركز الثامن عشر حاليا على قائمة أشهر المواقع عالميا، وفيه وجد العاطلون من أبناء الألفية ساحة للتنفيس عن إحباطهم مستغلين قدرتهم في التواصل عبر الإنترنت.

ولا يزال علام (أو المستخدم "غالوبوب") من بين أنشط المشاركين وأشهرهم على ذلك الموقع، إذ سرعان ما تنتشر مشاركاته آنيا حتى تتصدر صفحة ريديت بشكل شبه يومي.

وبعد خمس سنوات استفاد علام من نجاحه على هذا الموقع في كسب الرزق، كمسؤول للتسويق بشركة "سبلود" الرقمية، وكقائم على محتوى موقع "بورد باندا".

ويقول علام: "نعتمد على الكثير من التقنيات والمنتديات دائمة التطور".

ويتيح موقع ريديت مساحة حرة للمستخدمين لتبادل المشاركات والإبداع واختيار الأبرز منها لتتصدر الموقع استنادا على مستوى القبول لدى الجمهور، وأحيانا تعبر الصور والفيديوهات الساخرة التي يتبادلها المشاركون عن مزاج عام من الإحباط والسخرية جراء البطالة والعناء الاقتصادي.

وقد أصبحت طريقة التعبير هذه وسيلة سريعة وسهلة للكشف عما يعتمل داخل صدور أبناء هذا الجيل، وسلاحا لدحض الصور النمطية السائدة لدى الجيل الأكبر سنا الذي يعتبر أبناء جيل الألفية كسالى ولا يكفون عن المطالب.

لكن هؤلاء الشباب تمكنوا من مشاطرة خبراتهم معا في أرجاء المعمورة كافة.

وقد ظهرت العديد من التعبيرات الساخرة التي تتناول واقع الكساد الاقتصادي، وقد تأسست من خلال صور وكلمات قليلة لمجتمع جديد يصفه علام بأنه مجتمع من "المكتئبين الذين اصطفوا معا للتعبير عن خبرات هم أدرى بها".

وسعى مبتكرو مثل هذه التعبيرات إلى السخرية من وضع التقشف الاقتصادي، والتواصل السريع مع غيرهم تنفيسا عما يشعرون به من إحباط دون أن يقف المكان حاجزا أمامهم، نظرا لاشتراكهم في نفس الواقع.

"بيئة خصبة جدا" وخلال الأزمة المالية نقلت تلك التعابير الساخرة قلق العالم إزاء المستقبل، وخاصة بالنسبة للشباب الذين وجدوا في الإنترنت وسيلة لبحث قضاياهم بشكل فوري.

ويقول ميشيل كوشا، الأستاذ المساعد لتكنولوجيا المعلومات بجامعة كوبنهاغن، إن السبب وراء انتشار تلك التعابير الساخرة على شبكات التواصل هو سرعة تناقلها والتعليق والتفاعل معها، ويضيف: "تجد التعابير الساخرة في شبكات التواصل وسطا مواتيا يسهل ابتداعها والتجاوب معها فورا".

في البداية كانت تلك التعابير نوعا من الطرف كأن تشتمل على صور لحيوانات أليفة، ولكن حين وجد العالم المتقدم نفسه في أسوأ ركود خلال فترة طويلة تحولت دفة الإنترنت للإعراب عن الإحباط والرأي المغاير.

ويقول كوشا: "شكلت بيئة التقشف تربة خصبة جدا لنوع من التعبير يقبل الشطط، وكلما زاد الشطط زاد الإبداع وزاد جذب الانتباه".

وبدلا من التعابير الأليفة التي كانت تشمل استخدام النكات، وصور القطط مثلا، تكيفت مواقع التواصل مع الواقع العالمي الجديد لتصبح أكثر حدة، معربة عن مزاج الإحباط الجمعي لجيل الألفية.

ويضيف كوشا: "تنحاز هذه المواقع إلى المحتوى، فكلما تميز في الإبداع والتنوع، زاد انتشاره".

ومع ازدهار التعابير والصور الساخرة المتعلقة بالتقشف، استهدف مبتكروها الواقع المالي العالمي بسبل غير مألوفة، وتفاعلوا فيما بينهم للتهكم على صناعة الخدمات المالية، من قبيل "مساكين البورصة" و"الغراب الغني" ساخرين من نخبة الواحد في المئة في العالم الذين لم يمسهم التقشف بسوء.

وبدلا من المرح البريء، جعل الركود الاقتصادي من تلك التعابير ظاهرة عالمية تلقائية التوالد، ويقول كوشا: "لم تشهد الفترة قبل 2007 ذلك، ولكن بعدها أصبح هناك الكثير من الحوارات الداخلية على الإنترنت لتحل محل صور القطط والكلاب".

وسيلة للتكيف مع الواقع وبعد مضى نحو عقد من سياسات التقشف والركود العالمي، ومع بدء انتعاش بعض الاقتصادات العالمية من كبوة 2008، مازال كثير من الشباب المتعلم يلهث للحاق بما فاته، ومنهم مَن يسعى لاستكشاف آفاق جديدة للعمل والأمن الوظيفي.

وفي بعض البلدان، كاليونان، تنتشر البطالة بين الشباب بمعدلات مازالت قياسية، وبالتالي لم تطو شبكة الإنترنت صفحة تلك التعابير والصور الساخرة.

وفي سبتمبر/أيلول أثار حساب يحمل اسم (Steak-umm) على موقع تويتر ضجة بنشره رسم يضم ست متواليات تعبر عن قلق الشباب ويأسه، وبدلا من التراجع، قررت الجهة المسؤولة عن هذا الرسم الثبات على موقفها ودعم من عبر عنه من الشباب.

ويعمل نيثان ألينباك، 27 عاما، منسقا للتواصل الاجتماعي عبر هذا الحساب الجريء على موقع تويتر، وقد عبرت مشاركته عن خيبة أمل الشباب ومخاوفهم. ووسط ما أحدثه من جلبة، وجد الكثير ممن امتدحوه.

ويقول ألينباك: "الناس بحاجة ماسة لمن يتواصل معهم ويشعر بهم، هم كالغريق الذي يريد أن يتنفس بأي شكل والتواصل هو متنفسه".

في خضم هذه الأزمة الاقتصادية، أتاحت تلك التعابير لجيل محروم الشعور بتضامن من نوع ما، وكان لهذه التعابير ببساطتها التي قد تصل إلى حد التفاهة أن تصل إلى القاصي والداني.

أضف تعليقك

تعليقات  0