العدو الأول لكل ما يبنيه البشر.. مدمر الجسور والطائرات والقنابل النووية

بسببه، دمرت الكثير من الجسور ووقعت حوادث انفجار بمفاعلات نووية مما أدى إلى خسارة كثيرين لأرواحهم.

وبسببه أيضاً تحول جزء كبير من الترسانة النووية الأمريكية في ذروة الحرب الباردة إلى خردة غير صالحة للاستخدام، وذلك قبل أن يجبر الولايات المتحدة على إغلاق أكبر خط أنابيب نفطي لديها، ودفعها إلى إجراء مفاوضات مع "أوبك".

لقد تسبب كذلك في الدفع بالكثير من الطائرات العسكرية والسفن إلى خارج الخدمة، وفي تحطم مقاتلة من طراز "إف 16" ومروحية عسكرية من طراز "يو إتش-1 إركويس"، وتمزق جسد إحدى الطائرات التجارية أثناء تحليقها في الجو.

وفي السبعينيات تسبب في اندلاع الحرائق في أعداد كبيرة من المنازل، بسبب لجوء الكهربائيين إلى استخدام الألومنيوم بعد ارتفاع أسعار النحاس.

هل تستطيعون تخمين مصدر كل ذلك الشر؟ نتحدث هنا عن "الصدأ"، السرطان الذي يهدد الآلية الحديثة التي تعتمد عليها مجتمعاتنا، والتهديد رقم واحد للقوات البحرية في جميع أنحاء العالم.

أكثر تكلفة من كل الكوارث الطبيعية
الصدأ هو العدو الأزلي لكل ما يبنيه البشر. فهو يدمر الجسور والقنابل النووية والطائرات النفاثة وخطوط أنابيب النفط والغاز والمباني الخرسانية والغسالات.... افتح القوس واكتب ما شئت من مبانٍ وآلات يدخل المعدن في تكوينها.

وفي سعيهم لمواجهته، يستخدم المهندسون والمعماريون مجموعة متنوعة من الأسلحة التكنولوجية، ولكنها غير كافية للقضاء عليه.

فعلى سبيل المثال، يتم تغطية الحفارات النفطية بطبقة خارجية من الفولاذ لمنع تآكلها، وفي حين أن طلاء ووقود السيارات يحتوي على مثبطات التآكل، رغم ذلك لا يزال يهاجمها الصدأ

وفي هذا التقرير، سنلقي الضوء على الخطر الصامت الذي يهدد البيئة والاقتصاد والصحة والحاضر والمستقبل، وذلك استناداً إلى ما ذكره الصحفي الأمريكي "جوناثان والدمان" في كتابه الصادر في العاشر من مارس/آذار 2015 تحت عنوان "الصدأ: الحرب الأطول".
قد يتفاجأ الكثيرون بحقيقة أن تكلفة الخسائر التي يتسبب فيها الصدأ تتجاوز بكثير تلك الخاصة بكل الكوارث الطبيعية الأخرى مجتمعة.

فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة الخسائر التي يحدثها الصدأ في الولايات المتحدة فقط حوالي 437 مليار دولار، وهو ما يعادل 3% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وعلى الرغم من أن الصدأ أو التآكل يؤثر على كل المعادن تقريباً، إلا أن هذا الموضوع لا يحظى بقدر كبير من الاهتمام. وهذا التجاهل يعكس موقف البشر تجاه قضية أكبر وهي الصيانة.

فالناس يهتمون بالبناء أكثر من اهتمامهم بالحفاظ على ما شيدوه أو صنعوه، وينسون أن ما يبنونه له فترة حياة طبيعية تماماً مثل الأشخاص الذين يحتاجون إلى علاج ضد الأمراض وقبله الوقاية.

الجيش الأمريكي
بدأت الحكومة الأمريكية تكثف جهودها في محاربة الصدأ في عام 2001 بعد أن أصدرت الجمعية الوطنية لمهندسي التآكل (NACE) تقريراً أشارت خلاله إلى أن الصدأ وحده يكلف الجيش الأمريكي نحو 20 مليار دولار سنوياً.

وفي ذلك الوقت، أوضحت الجمعية أن الجيش باستطاعته توفير ما يقرب من 6 مليارات دولار من هذا المبلغ عن طريق تطبيق المعرفة الموجودة حول كيفية مقاومة التآكل.

في عام 2002، اقترح السيناتور الأمريكي "دانييل أكاكا" إنشاء مكتب تابع لوزارة الدفاع يختص بقضية الصدأ.

وبعدها بفترة تم إنشاء مكتب وزارة الدفاع لسياسة التآكل والإشراف (CPO).

في البداية، لم يُعطَ المكتب أي ميزانية، ولكن في عام 2005 خصصت له ميزانية قدرها 27 مليون دولار لمكافحة التآكل.

وبدأ المكتب في إجراء دراسات تظهر بالتفصيل كيف يؤثر التآكل على الجيش وكيف يهاجم السفن والطائرات والمركبات والأسلحة.

غيرت وزارة الدفاع الأمريكية إجراءات عمليات شراء المعدات والأسلحة الجديدة الخاصة بها، بحيث أصبح المكتب الخاص بالتآكل يشرف على مدى التزام شركات السلاح بمعايير مقاومة الصدأ والتآكل.

يوجد لدى الولايات المتحدة حوالي 15 ألفاً من مهندسي التآكل، نصفهم يعمل في الصناعة النفطية والصناعات المرتبطة بها.

وهناك آخرون يعملون في قطاعي النقل والمرافق. في نفس الوقت، يعمل حوالي 90% منهم لصالح شركات كبيرة أو مرافق حكومية.

معظم مهندسي التآكل في الولايات المتحدة يفتقرون إلى التعليم الرسمي، فلا يحمل درجة البكالوريوس سوى أقل من ثلثهم، في حين أن واحداً فقط من كل 10 منهم حاصل على درجة الماجستير، ومن بين كل 16 منهم واحد فقط هو من يحمل الدكتوراه.

وفي المتوسط يجني مهندس التآكل في الولايات المتحدة نحو 100 ألف دولار سنوياً.

كيف تحافظ شركات النفط على أغلى أصولها؟ تتمكن شركات النفط من إبعاد خطر الصدأ عن خطوط الأنابيب الخاصة بها من خلال الاستعانة بروبوتات بنيت لتنفيذ مهام خاصة في ظروف قاسية.

فما يحدث ببساطة هو أن مدير السلامة المشرف على الخط، يقوم في البداية بإرسال روبوتات مهمتها إزالة الرواسب التي يتركها النفط في قاع الأنبوب.

بعد ذلك يتم إرسال روبوت ذكي طوله 16 قدماً ويزن حوالي ألف رطل عبر الخط لتنفيذ مهمة أخرى.

يحمل هذا الروبوت أجهزة استشعار مغناطيسية تسمح له بفحص كل شبر في خط الأنابيب واكتشاف الصدأ والتسربات وأضعف النقاط في جسد الأنبوب.

لاحقاً، يأخذ مدير السلامة المعلومات التي يجمعها الروبوت ويقوم بتحليلها لتقييم مدى السرعة التي قد تتحول بها أي مشكلة إلى خطر يهدد سلامة الأنبوب، ثم يرسل أطقم الصيانة إلى مناطق محددة حسب ترتيب المخاطر.

كما تحلق الطائرات فوق خطوط الأنابيب حاملة كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لاكتشاف أي تسرب نفطي، وفي ذات الوقت يتم تسيير دوريات من المشاة هدفها اكتشاف أي تسرب يمكن ملاحظته بالعين المجردة.

أخيراً، يمكن للأعاصير والزلازل وأمواج التسونامي وغيرها من الكوارث الطبيعية أن تضرب أي مكان في العالم وتخلف وراءها أكواماً من الحطام في غضون ثوان معدودة.

ولكن الصدأ مختلف. الصدأ خبيث وبطيء الحركة، ويستغرق سنوات قبل أن يتمكن من تدمير المباني الخرسانية وخطوط الأنابيب وصهاريج النفط وإضعاف الجسور إلى نقطة الانهيار.

أضف تعليقك

تعليقات  0