هل لا تزال الرأسمالية أفضل طريقة للقضاء على الفقر؟

يواجه مؤيدو الأسواق الحرة مشكلة عميقة وخطيرة للغاية تتعلق بكسب تأييد وتعاطف الآخرين معهم، فرغم الدلائل التجريبية على أن هذه الأسواق أفضل محرك للازدهار وعلاج الفقر، فإنها تبدو قائمة على أفكار متناقضة، على الأقل من الناحية النظرية، بحسب تقرير لـ"التلغراف".


تبدأ الصعوبة عند محاولة الرد على الأسئلة المتعلقة بالتجارة، فالكثير من الناس يعتقد في أعماقه أنها مباراة محصلتها النهائية رابح وخاسر، فمثلًا إذا تبادل طرف ما البند "س" مع طرف آخر بالبند "ص"، فلا بد أن يخسر أحدهما.


وباعتبار أن البند "س" هو السلعة الأفضل في هذا المثال، فمؤكد سيكون الطرف الذي يتملك البند "ص" -العنصر الأقل جاذبية- في وضعية ضعف وستكون خسائره هي مقابل المكاسب التي سيجنيها مالك البند "س".


القيمة تختلف من شخص لآخر - رغم انخراط البشر في التجارة طوال الوقت، ربما لأنهم يعتبرونها أمرًا حيويًا، فهم لا يدركون عبر غريزتهم أن قيمة السلعة أو الخدمة تكون في نهاية المطاف شخصية للغاية.


- على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يحب حفلات الأوبرا وآخر يفضل كرة القدم، فيمكن للأول مبادلة تذكرة حضور مباراة نهائي الكأس مع الشخص الثاني مقابل الحصول على دعوته للحفل القادم، بغض النظر عن القيمة الاسمية لها.


- تحدث التجارة بشكل أساسي كآلية لإيصال الأشياء إلى الأشخاص الذين يقدرونها أكثر من غيرها، ومع ذلك، ونظرًا لاعتبار الكثيرين أن التجارة لعبة محصلتها خاسر ورابح، فإنهم يشعرون بالظلم والاستغلال حال عدم توافر أشيائهم المفضلة.


- لا شك أن هناك سيناريوهات تكون فيها هذه المخاوف صائبة، لكنها استثناءات، والحقيقة أن هناك نقطة ضعف لدى أغلب البشر تتمثل في الميل لمعالجة المشكلات بعقلية ثابتة جامدة وليست ديناميكية.


- بالنظر حول العالم، يجد الناس عددًا كبيرًا من المليارديرات الذين يمتلكون سيارات فارهة وقصورا ويخوتا فاخرة، في الوقت الذي يعاني فيها مئات الملايين من البشر من سوء التغذية، وأحيانًا الموت جوعًا. الاقتطاع من ثروات الأثرياء    .


- لا شك أن النخبة الثرية لا تحتاج لمزيد من الأموال، ومثلًا، مبلغ 10 آلاف دولار لن يكون له تأثير على سعادة أي منهم، لكنه قد ينقذ حياة أحد الفقراء ويحدث بها ثورة تغيير، فهل الحل هو اقتطاع هذه النقود من ثرواتهم؟


- حتى المدافعين الأكثر دعمًا للأسواق الحرة يميلون للاتفاق على ضرورة إعادة توزيع الثروة، لكن الجميع يغفل عن سؤال مهم للغاية؛ ما هي القيود المفروضة على عمليات نقل الثروات لتصبح أكثر ديناميكية؟


- إذا تم الحد من المكاسب المتاحة أمام رواد الأعمال الناجحين بفعل الضرائب المرتفعة للغاية على أرباحهم، فإن قدرتهم على خلق المزيد من الثروة وتحفيز النمو الاقتصادي ستتضاءل أيضًا.


- مع التركيز على كيفية تقاسم الكعكة المتاحة في الوقت الراهن، فإن البشر يولون اهتمامًا أقل لكيفية تعظيم حجم كعكة المستقبل، حتى أن هذا الهوس قد ينتج عنه في النهاية حصول الفقراء على حصة أقل غدًا.


- الفخ الآخر الذي يسقط فيه البشر، هو إيمانهم بأنه من الممكن تعيين أشخاص محايدين في موضع التحكيم لضمان الحصول على نتائج عادلة، وهو ما وصفه الاقتصادي "فريدريك هايك" الحائز على "نوبل" بالغرور القاتل.


- قد يكون من الممكن العثور على حكم محايد كليًا لمباراة رياضية، لكن يكاد يكون الأمر مستحيلًا عند الحديث عن النتائج الاقتصادية، فالمنظمون والسياسيون والبيروقراطيون ربما يحسنون النوايا، لكن لديهم مصالحهم الخاصة في النهاية.


مسؤولية الدفاع عن حرية الأسواق - ربما كان الكوميديان ومقدم البرامج الأمريكي "غروتشو ماركس" على صواب (نوعًا ما) عندما قال: السياسة هي فن البحث عن المتاعب، والعثور عليها في كل مكان، وتشخيصها بشكل خاطئ وتطبيق العلاجات الخاطئة.


- الانتصار في معركة الأسواق الحرة يبدو شبيهًا بمحاولة دفع المياه إلى الأعلى دائمًا، ورغم أن العديد من الناس يعتقدون أن الرأسمالية كانت أفضل نظام اقتصادي للتقدم البشري، فالأغلبية لديهم حدس خاطئ.


- مكاسب التجارة ليست غريزية وتحتاج لدراسة معمقة، وفي الوقت ذاته، الرغبة في الإيثار لمساعدة الفقراء من خلال الضرائب الضخمة قد تبدو سامية لكن الناس بحاجة لإدراك تأثيرها على ريادة الأعمال والمشاريع بمرور الوقت.


- إن فلسفة الليبراليين الداعمين للأسواق الحرة رغم حيويتها وفاعليتها تبدو صعبة الفهم والتلخيص، ومن الضروري تعليمها بصبر ودقة لكل مواطن عبر قنوات التعليم الرسمية والمجتمع المدني. - لو فشلت المجتمعات في القيام بذلك، فستكون هناك مخاطرة كبيرة بانحسار الدعم للأسواق الحرة والمزايا المذهلة التي تحققها، مع العلم أن الاعتماد على الجهات الحكومية فقط لضمان فاعلية نظام السوق يؤدي في النهاية إلى بنية تحتية عامة منحرفة عن مهامها.

أضف تعليقك

تعليقات  0