«فيلكا».. أكوادا أو إيكاروس جزيرة كويتية ضاربة جذورها بأعماق التاريخ

"دار مدارج بحر.. فيلجا أحلى الجزر متعة للناظرين.. في روابيك الخضر" بهذه الكلمات التي صاغها الشاعر الراحل بدر العياف شدت الفنانة الكبيرة مائدة نزهت لتتغنى الكويت كلها بجمال هذه الجزيرة ذات التاريخ العريق.


ففيلكا الواقعة عند مدخل جون الكويت في مواجهة العاصمة من جهة الشرق على بعد عشرين كيلومترا داخل البحر تتميز بأرضها الصالحة للزراعة ومياهها الجوفية العذبة وكانت إلى عهد قريب تعتمد على نفسها في سد احتياجاتها الإقتصادية.


وفي كتاب (بحوث مختارة من تاريخ الكويت) الصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية بإشراف الأستاذ الدكتور عبدالله الغنيم جاء أن (فيلكا) كانت مأهولة بالسكان منذ عهد قديم وهي تعتبر محطة تجارية مهمة على الطريق البحري بين حضارات وادي الرافدين والحضارات على سواحل الخليج العربي.


ووفق الكتاب فإن التنقيب عن الآثار في الجزيرة كشف عن حضارة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد واستمرت حتى العهد الهلليني حين أنشأ فيها الإسكندر الأكبر مستعمرة إغريقية أطلق عليها اسم (إيكاروس) في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد.


ومن أهم المكتشفات الأثرية فيها حسب الكتاب بيت مؤلف من 12 غرفة إحداها كانت ورشة حدادة وفيها قوالب من الآجر صبت فيه مادة لينة ظهرت فيها صورة وجه الإسكندر الأكبر كما تم الكشف عن قلعة يونانية وعثر بداخلها على قطعة من عمود حجري مما كان يوضع في مدخل المعابد قديما وفي وسط القلعة وتم العثور على تماثيل بعض آلهة الإغريق.


وأضاف مركز البحوث والدراسات الكويتية في الكتاب أن أول ظهور لجزيرة فيلكا في الخرائط الجغرافية كان في عام 1596 تحت اسم (داوادا) أو (أكوادا) (I.Dagoada) وتعني (جزيرة الماء) لما تحويه الجزيرة من آبار عذبة وهو الاسم الذي أطلقه البرتغاليون عليها.


وجاء الاسم بحسب الكتاب في الخريطة التي وضعها جان لنسخوتن والمحفوظة في أرشيف الدولة العام في هولندا ثم تتابع ظهور هذا الاسم في عدد من الخرائط التالية منها خريطة نگبونز (Vingboons) التي وضعها عام 1660 وخريطة مورتيه جايلوه (Mortier-Jaillot) البحرية التي طبعت في هولندا عام 1692 وكتب اسم فيلكا تحت مسمى (Isle de Aguada).


وأشار إلى أن وصف جزيرة فيلكا قد ورد عند عدد من المؤرخين والجغرافيين اليونانيين فذكروا أنها جزيرة تكثر فيها الأشجار ويوجد فيها الماعز البري و"الغزلان المقدسة" التي لا يسمح باصطيادها وأيضا فيها معبد الآلهة (آرتميس).


وقال مركز البحوث والدراسات في الكتاب إنه قد عثر كذلك على عدد كبير من الأختام التي تدل على أن أهل فيلكا لهم حضارة خاصة ذات مستوى متميز وتمثل مجموعة الأختام أنماطا مختلفة مثل أختام دائرية الشكل والتي يطلق عليها "أختام الخليج العربي" وأختام أسطوانية صنع بعضها محليا ونسب بعضها إلى المواقع الحضارية المجاورة إضافة إلى أختام مربعة الشكل نسبت إلى وادي السند.


وأصدرت إدارة الآثار والمتاحف بوزارة الإعلام تقريرا بعنوان "الحفريات الأثرية في جزيرة فيلكا" يتضمن صورا وتعريفات بمجموعة عددها 417 ختما.


وتم العثور على تلك الأختام خلال أعمال تنقيب البعثة الدانمركية على الآثار في الجزيرة خلال الفترة بين عامي 1958 و 1963 في ثلاثة مواقع تمثل تلالا قليلة الارتفاع اثنان منها يعود تاريخهما إلى ما بين 2000 إلى 1000 سنة قبل الميلاد والثالث يعود تاريخه إلى العصر الهلينستي.


وذكر المركز أن كتاب "الموطأ" للامام مالك رضي الله عنه يعد أقدم أثر مادي وثقافي تم الحصول عليه من جزيرة فيلكا في العصور الحديثة والنسخة المذكورة كتبها "مسيعيد بن أحمد بن مساعد بن سالم" عام 1094 هجرية الموافق 1682 ميلادية وتدل على ازدهار الحياة العلمية والثقافية في الكويت تلك الفترة.


من جانب آخر أشار مركز البحوث والدراسات الكويتية إلى أن الصلة بين جزيرة فيلكا وظهيرها العمراني في الكويت كانت وثيقة إذ كان الكثير من تجار الجزيرة وأعيانها لهم بيوت وأقارب في مدينة الكويت وكانت لهم مساهماتهم في السفر الشراعي وظهر منهم عدد من النواخذة أو ربابنة السفن المشهود لهم بالحذق والمعرفة.


واستطرد أن عددا من حكام الكويت كانت لهم بيوت وأكشاك في الجزيرة يرتادونها للراحة والاستجمام مبينا أن الأمير الراحل الشيخ أحمد الجابر الصباح والأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح طيب الله ثراهما كانا من أبرز المرتادين لهذه الجزيرة من حكام البلاد.


ولفت إلى أن جزيرة فيلكا في مراحلها الحديثة بعد ظهور النفط في الكويت كانت تمتاز بشارع الميناء ومبانيها العصرية وفللها الجميلة وبكثير من المدارس و مراكز الخدمات الحكومية.


وأشار إلى أن الجزيرة خلت من سكانها الذين يمثلون شريحة من المجتمع الكويتي بعد أن أجبرتهم سلطات الاحتلال العراقي على الخروج منها عام 1990 وزرعتها بالألغام المهلكة فتفرقوا في مختلف ضواحي الكويت.

أضف تعليقك

تعليقات  0