التغيير


التغيير ليس سنة الحياة فقط كما يردد الناس، ولكنه قانون علمي جدلي موضوعي أي خارج وعي الإنسان سواء كان ذلك يتعلق بالطبيعة أم بالمجتمعات، ونكرانه هو ضرب من ضروب الأمنيات ومحاولات إيقاف هذا التغيير وإن نجحت لفترة زمنية فإنها حتماً ستبوء بالفشل على المدى البعيد، هذا إذا استندنا إلى قوانين العلم لتحليل الظواهر حولنا.

طالعتنا الصحف يوم أمس بخبر حدث غير مألوف في منطقتنا بل ربما في عالمنا العربي الأوسع، وهو خبر تسليم سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر السلطة لابنه تميم بن حمد بشكل سلس ودون انقلابات ألفناها في منطقة الخليج في العقود الأخيرة.

وبغض النظر عن ملابسات هذا الحدث الجديد على المنطقة، وما تناقلته وسائل الإعلام الأجنبية والعربية منذ ما يقارب الشهر، عن أسباب هذه الخطوة الجريئة، إلا أننا نعتقد أن أي تغيير إلى أمام بشرط أن يكون جذرياً وليس شكلياً هو أمر له استحقاقاته التاريخية.

ورغم أن المصادر أفادت أن هذه الخطوة ستعقبها تغييرات كبيرة على السياسة الداخلية في الشقيقة قطر، بما في ذلك مجلس نواب منتخب بالكامل ومشاركة بالقرار السياسي وبشكل تدريجي وسيتم بناء عدد من مؤسسات المجتمع المدني التي تساهم في تعزيز الديموقراطية في قطر، إلا اننا نظل متشككين في مدى جدية هذه التوجهات متمنين أن يخيب ظننا.

والسبب في هذا التشكك هو ثقافة مجتمعاتنا التي تغلب عليها السمات العشائرية، فالدساتير المكتوبة والمباني الشاهقة والاستثمارات الضخمة وحدها لا تغير من العقلية أو الثقافة، ولعل مثال الكويت وهو الأنضج والأقدم في منطقة الخليج فيما يخص الديموقراطية والمشاركة السياسية، قد يكون أوضح مثال لترسّخ ذهنية المشيخة والحكم بطريقة عشائرية، رغم أن دستورها قد كتب قبل خمسين عاماً، فالثقافة هي أمر لا يتغير بقرار أو برغبة أو بإجراء أو حتى بقانون، بل تعني التخلي عن إرث الماضي في كل شيء بدءا من الموقف من المرأة وصولاً إلى تداول السلطة بشكل ديموقراطي وسيادة دولة القانون والمؤسسات.

هنا أنا لا أنكر على الناس انتماءهم القبلي، فجميعنا في الكويت ننتمي في أصولنا إلى قبائل، بل كل شعوب الأرض كانت في يوم من الأيام عبارة عن تجمعات قبلية وعشائرية سواء في أوروبا أو في آسيا أو في الشرق الأوسط، لكن كل هذه الشعوب تخلت عن هويتها القبلية الصغرى من أجل هوية كبرى هي الانتماء إلى دول وكيانات سياسية، يخضع أفرادها إلى حكم القانون ويديرون شؤونهم المختلفة بطريقة مؤسساتية، وليس بناء على أوامر ورغبات شيخ القبيلة.

ولأننا نرى الواقع في حركته الجدلية وليس في استاتيكيته الخالدة، فإن التغيير قادم لا محالة ولا مرد له مهما حاول البشر إيقاف عجلة التاريخ، فالوعي يزداد لتأخذ المواطنة الدستورية مكان الانتماء القبلي، وها هي قبيلة «العوازم» الكريمة في الكويت وهي من أكبر القبائل ومن أوائل من سكن هذه الأرض في العصر الحديث، تتفرق في مواقفها

 من قضية وطنية كبرى، ومن نهج الانفراد بالحكم الذي يعتبر عكس ما رسمه دستور «الحد الأدنى»، بل ان هذا الانقسام هو أكبر دليل على أن قانون مرسوم الصوت الواحد «يفرق ولا يجمع»، وينطبق ذلك على مكونات أخرى في المجتمع انقسمت بين مؤيد ومعارض ومشارك ومقاطع للانتخابات التي ستجرى بناء على هذا المرسوم، ولن يجدي حكم المحكمة الدستورية مع احترامنا لتحصينه.

أيضاً من المعروف في القوانين العلمية أن التراكم الكمي الذي يؤدي إلى تغير نوعي لا يحدث تلقائياً أو مع مرور الزمن، بل يحتاج إلى إرادة الإنسان وفعله من أجل التغير النوعي الذي سيأتي لا محالة.

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com


أضف تعليقك

تعليقات  0