مفارقات انتظار حكم «الدستورية» والتمسك بالدستور


قبل صدور حكم المحكمة الدستورية الخاص بالمرسوم بالقانون رقم 20 لسنة 2013 بشأن الصوت الواحد بأسبوع، بدأ العديد من الأطراف المعنية سياسيا في التيارات السياسية والمعارضة والموالاة بل والحكومة يطرح تساؤلات وتوقعات عديدة حول احتمالات الحكم، اتجاهاته، أغلبيته والموضوعات التي سيفصل فيها، وكل كان يرجح احتمالات تتوافق مع رغبته وطروحاته وأمنياته، وقد علق كل منهم آماله على الحكم المتوقع صدوره وانه سيقبل به ان جاء متفقا مع رغباته.

واليكم بعض مفارقات انتظار صدور الحكم المذكور:

- فريق أول كان يراهن على أن الحكم سيقرر عدم توافر حالة الضرورة للمرسوم بقانون الخاص بالصوت الواحد، ومن ثم عدم دستوريته، وكان مرحباً بالحكم ان كان سيصدر بهذا الاتجاه فقط! بل لقد كان هذا الفريق يتداول أن أعضاء المحكمة منقسمون 2/2 وأن المرجح غير واضح اتجاهه وكان يراهن أن الحكم سيصدر بأغلبية 2/3 في الاتجاه الذي يتوقعه أو الاتجاه الآخر.

- الفريق الآخر كان يتوقع صدور الحكم باتجاه تحصين مرسوم الصوت الواحد واستمرار المجلس المطعون ببطلان انتخابه، ولم يكن متقبلا لفكرتي عدم دستورية مرسوم الصوت الواحد أو بطلان المجلس.

- والفريق الثالث كان يتوقع اقرار المحكمة الدستورية لمرسوم الصوت الواحد برفض الدفع بعدم دستوريته، وابطال المجلس لأسباب اجرائية تتعلق بالعملية الانتخابية أو ما سبقها من اجراءات، وعودة مجلس 2009.

- وفريق رابع كان يرى أن حكم المحكمة الدستورية ينبغي أن يكون نهاية المطاف للخلاف والاختلاف الذي أحدثه مرسوم الصوت الواحد، وأن احترام وتنفيذ أحكام القضاء يجب أن يكون رائد الجميع أيا كان الحكم.

في تلك التوجهات كنت ألمس شخصيا كيف أن معظم الفرقاء لا يستطيعون أن يفكروا بحكم المحكمة الدستورية الا بمنظور اتفاقه مع رغبتهم وان تم ذلك، فالقضاء مستقل وقوي ونزيه، وان جاء الحكم خلاف ذلك فسيكون القضاء فقد استقلاله وخاضعا للتدخل والتأثير فيه، ومن ثم يتم التشكيك بحياده بل ونزاهته، وقد كانت هذه الأطراف تتعمد الضغط على المحكمة الدستورية بالاتجاه الذي يرجح رغبتهم وآراءهم من خلال التصريحات والندوات والبيانات واعلان المواقف المسبقة بعدم القبول بالحكم ان لم يأت متوافقا مع آرائهم وطروحاتهم، وقد تناست هذه الأطراف ما تهمس به من عبارات التمني أن يأتي حكم القضاء متوافقا مع رغبتهم، واشاعتهم أنباء عن انقسام بين أعضاء المحكمة، فضلا عن عبارات التجريح المبطن أن القضاء سيفقد مصداقيته.

ويبدو أن قسما من هذه الأطراف غفل عن أن بناء المؤسسات الدستورية وتقوية مرجعيتها وعلى رأسها القضاء لا بد من أن يمر بمخاض الفصل في القضايا الحساسة والمنقسم بشأنها، وأن يفرض هيمنته القانونية على كل السلطات تكريسا لمرجعية أنه لا سلطان ولا سلطة تعلو على الدستور، وأن مثل هذه الأحكام تؤسس لضمانات مستقبلية تمنع الانحراف باستخدام السلطة أو الاستبداد، وهذه أهم من الأشخاص وآرائهم، ولكن ضيق الأفق وقصر النظر والمصالح الشخصية طغت على كل الاعتبارات لبناء دولة الممارسة الدستورية والمؤسسية بمثل هذه الأحكام الفريدة وهذه الأحكام حققت ذلك وان اختلفنا معها في مسائل محددة.

وتبقى الحقيقة الأهم التي سبق أن أوضحناها وهي أن نظام الدوائر الحالي بالصوت الواحد تماماً مثل نظام الدوائر السابق عليه بأربعة أصوات، قد أفرز واقعا سياسيا عليلا بالفئوية والطائفية والقبلية والشخصانية، وكان ولا يزال يفت بعضد الوحدة الوطنية واستقرار البلد سياسيا، فضلا عن فقدانه للعدالة والمساواة في تمثيل المجتمع، وعرقلته لتطور الحياة السياسية والدستورية، ما يجعل تعديله مدخلا للاصلاح السياسي الحقيقي في البلد.

اللهم اني بلغت..




أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0