خياراتنا محدودة


التقدميون من يساريين وليبراليين اليوم في محنة فرز مواقف، وهم بصدد قراءة المشهد المصري بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي، بعضهم يقف دون تردد مع حلم إنهاء مشروع حكم الإخوان في مصر الذي سيقود بالزمن القريب (بتحليلهم) إلى قيام الدولة الدينية الثيوقراطية التي ستقهر حريات الأفراد وحقوق الأقليات، وتفرض المنهج الديني

الأحادي في التشريع مع صياغة الحياة العامة والخاصة وفق نموذج الخلافة الحاكمة، ولهذا الفريق حجته في تجربة الثورة الإيرانية، لذلك لا يتردد هذا الفريق في نعت حركة 30 يونيو بأنها "ثورة شعبية" لها مشروعيتها، وهي عندهم ثورة فرضت هيبتها بعدد المشاركين في ميدان التحرير، ولا بأس عندهم أن يتم تجاوز "الشرعية" القانونية، قليلاً أو كثيراً،

ويتحالف مع العسكر من باب "أهون الشرين"، فهم يعلمون أنه لا جدوى من الحراك الشعبي للتغيير لمواجهة النظام الإخواني الحاكم، ما لم يبارك من دولة المؤسسة العسكرية المصرية، وهذه المؤسسة "دولة" ذات سيادة واقعية على الأرض بميزانية مستقلة ودخل خاص من دروب مشروعة وغير مشروعة لا يمكن تحديها أو الحد منها، ولم يستطع الرئيس مرسي الاقتراب منها.

الفريق الآخر من الرافضين للدولة الإخوانية، وإن كانوا لا يتجرعون حكم المرشد العام، إلا أن إيمانهم بالشرعية يفرض عليهم أن يقولوا "لا" كبيرة للعسكر، والشرعية لا تعني هنا، الرضوخ لحكم الدستور، وما أخرجته صناديق الانتخابات، بل هي طريق الوقاية الوحيد من مزاجية التفرد بالسلطة من أي جماعة كانت، وإذا كان مرسي قد استغل هذه

الشرعية، وكرس ما يسمى "استبداد الأغلبية" التي فازت بالأكثرية في انتخابات الهيئات التمثيلية، فلا تكون مواجهتها بالانقلاب عليها والاستعانة بالدبابة والطيران، وإنما بالعمل من خلال المؤسسات القائمة، وعبر خلق الوعي العام لرفض وصايات الأغلبية وتحريرها من عبودية التبعية لنظام الحكم، هذا التحرير لابد أن يكون عبر القنوات القانونية وعبر الرفض السلمي لأي انحراف للسلطة الحاكمة حين تميل لاستبعاد الآخرين المخالفين وتهميشهم.

أيضاً هناك حجة أخرى يضيفها هذا الفريق، وهي حجة عملية، فهم يرون أن الإخوان اليوم يشكلون المصدات الواقية من أمواج التطرف الديني التي تموج بها بحار المنطقة العربية، وقد أثبت التاريخ المعاصر أن قمع تلك الجماعات المتطرفة، عبر الأنظمة البوليسية، لم ينتج غير المزيد من التطرف والمزيد من التعاطف معها، ولنأخذ مثالاً تاريخياً، عن

السيد قطب الذي كان متطرفاً بقلمه وفكره، وكان يمثل ردة فعل طبيعية لأضواء الحداثة، كما شهدها في فترة إقامته البسيطة بالولايات المتحدة، وطفق يبحث عن الحضن الدافئ للهوية والذات، إلا أنه حين علق على حبل المشنقة بعهد عبدالناصر تفجرت في ما بعد الحركات التكفيرية المرعبة التي تدفع المجتمعات العربية ثمنها غالياً اليوم، وما

يحدث الآن هو إعادة إنتاج مشاهد شنق سيد قطب وحفر بركة واسعة يتوالد بها أمراء الإرهاب من جديد، وعلمنا التاريخ الحديث أن السجون والملاحقات لم تنفع في استئصال تلك الجماعات، بل زادتها قوة ونفخت على نار كراهيتها للدولة والمجتمع، فهل هذا ما نريد في النهاية؟! فشواهد ما يجري الآن في مصر يطلق صافرات الإنذار عن الحرب الأهلية الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي، ولنؤكد أن مصر غير الجزائر، فهي مركز الثقل للعالم العربي ومحوره الأساسي، وأي تغير فيها سيطالنا إن لم يكن اليوم فغداً...

 فلنواجه الفكر الديني المتعصب بفكر ديني معتدل "نسبياً" يمثله الإخوان في هذه المرحلة التاريخية عل وعسى أن تتغير نظرتهم للعالم المعاصر حين يجلسون بقلق على

 كراسي الحكم ويخضعون، في آخر الأمر، للواقع الدولي، فلم لا نعطي الإخوان فرصة لاحتواء المتشددين فليس لدينا رهان آخر، أما الحديث عن القوى الليبرالية والتقدمية لمواجهة الغليان الأصولي في المجتمعات العربية فهذا وهم كبير.



أضف تعليقك

تعليقات  0