بينوشيهات بني يعرب


أذكر أنه قبل خمس سنوات أو أكثر، عندما زار رئيس وزراء سنغافورة الأسبق "لي كوان هو" الكويت بدعوة من بنك الكويت الوطني وألقى محاضرة عن التجربة السنغافورية، سأله أحد الحاضرين عن الديمقراطية وعلاقتها بالتنمية في مثل الحالة الكويتية، كان رد "هو" بما معناه (إن لم أنس) بأنه ليس المهم وجود المجلس البرلماني من عدمه، بل المهم أن تكون لديك إدارة "فعالة" يمكنها أن تضع الدولة على سلم التنمية الاقتصادية.

تذكرت هذا اللقاء بعد قراءة مقال توني بلير في "الأوبزرفر"، الذي علق فيه على الوضع المحزن في مصر، ويستعرض "مستشارنا المالي السابق" بمقاله مجمل الأوضاع الملتهبة في الشرق الأوسط، ولا يخفي مساندته لحركة تمرد أو الانقلاب العسكري في مصر، ويستشهد مدللاً على فشل إدارة الرئيس مرسي بأنه حدث وأن التقى قبل أيام وزير

السياحة المصري الذي كانت له أحلامه الكبيرة لعودة النشاط السياحي لمصر، بعد أن هبط المدخول السياحي لمعدلات قياسية بعد ثورة يناير، وأنه (الوزير المصري) بعدها قدم استقالته احتجاحاً حين عين الرئيس المصري أحد كبار الجماعة الإسلامية كمسؤول السياحة بالأقصر، وهي الجماعة التي ارتكبت مجزرة السياح هناك في النصف الثاني من التسعينيات.

ويستطرد مستشارنا "المالي" بلير ليؤكد حاجة مصر الثورة إلى الإدارة "الفعالة"، فالديمقراطية هي الطريق لاختيار أصحاب القرار السياسي، ولكنها ليست عوضاً عن "القرار السياسي" ذاته...!

كلام جميل لمستشار الدولة الكويتية المالي، ويصعب مجادلته... لكن أيضاً في الجريدة الشقيقة لـ"الأوبزرفر" وهي "الغارديان" يسخر الكاتب مارتن بنغلي بمرأة من مقال لجريدة "وول ستريت" تقول فيه إن مصر بحاجة اليوم إلى بينوشيه، وهو الدكتاتور الذي قتل آلاف التشيليين بانقلاب 73 ضد سلفادور أليندي الرئيس المنتخب، وسجن وشرد مئات الألوف، حتى يضع تشيلي على قطار التنمية الصحيح، كما تريده الولايات المتحدة وجهاز مخابراتها الذي احتضن الدكتاتور ذلك الوقت...!

هنا نسأل هل صحيح أن مصر أو أي من الدول العربية بحاجة إلى الجنرال بينوشيه حتى يضع "الجمل" العربي -وليس القطار الاتيني- على دربه الصحيح! في تشيلي كان هناك بينوشيه واحد دفع بتشيلي إلى مسار التنمية مع بعض الفساد، ليعمل "كزيت" يدير محركات التنمية وبعون كبير من الولايات المتحدة، لكن في عالمنا عندنا بينوشيهات

عدة وليس واحداً، استطاعوا تحقيق بعض التنمية المختلة حين أثروا جماعة العسكر والمقربين منهم من الطبقة الوسطى، بينما بقيت الأغلبية مسحوقة ومهمشة تدور في حلقات مغلقة في عوالم الإهمال والاستغلال، ولنا في حسني مبارك وقبله أنور السادات بمصر، وفي سورية الأسدان الأب والابن، وعراق صدام، خير أمثلة على بينوشيهات الشرق العربي، كلهم حققوا تنمية محدودة لمجتمعاتهم إلا أنها تنمية لم تصل إلى مرحلة "الإقلاع" Take off، وتصبح تنمية مستدامة، مثل الصين ودول جنوب شرق آسيا، وسرعان ما تنعكس تلك التنمية القهرية في ما بعد لأي سبب بعد تغير شخص بينوشيه العربي، ليحل مكانه بينوشيه آخر بطموح مختلف وبفساد بلون آخر.

مستشار الدولة الكويتية (السابق وهي، بالمناسبة، دولة تزخر بالمستشارين الذين يقدمون استشارات بمقابل مادي جزيل تدخل في الأذن اليمنى للسلطة لتخرج من اليسرى) لم يختلف في رأيه عن مقال "وول ستريت" وحاجة مصر لبينوشيه جديد، مع أن بينوشيه مصر حاضر الآن ويتكلم بلسان عربي، ولم يقل العم بلير كلمة واحدة في

مقاله عن "مؤسسات الفساد" الضاربة بأعماق الدولة المصرية تحت ظلال حكم "بينوشيهات" بلاد النيل، ولم يسأل مستشارنا السابق ما إذا كان بينوشيهات مصر لهم القدرة والإرادة لخلق "حكومة فعالة" تنقذ مصر من واقعها الاقتصادي، وهل يستطيع شخص محترم مثل محمد البرادعي أو غيره أن يرتدي بدلة "لي كوان هو" سنغافورة أو مهاتير

محمد ماليزيا، ويشرع أبواب الإصلاح المالي، ويقطع دابر الفساد صاحب السيادة، لتضع مصر قدميها على الدرب الصحيح، وتظل المؤسسة العسكرية تتأمله متفرجة...! يا ليت لكني أشك كثيراً.

أضف تعليقك

تعليقات  0