الانقلاب.. ومصطلح الرئيس المعزول بدل المخلوع (2)


أزمة النخب السياسية في العالم العربي أنها هي علة التخلف الفكري والثقافي والسياسي والديموقراطي في إدارة الشأن العام والممارسة الديموقراطية، فهي لا تتقبل رؤية التعددية ولا تؤمن بالتداول الطبيعي للسلطة ولا تلتزم رأي الأغلبية، وهذا موروث مستمر لهيمنة الأحزاب الشمولية ونتاج فكرها الذي سيطر على أنظمة الدول العربية منذ خمسينات القرن الماضي، شيوعيا أو اشتراكيا، أو عروبيا، أو طيفاً من أطيافها، وتمكن من بث فكره المتآكل اعلاميا وتعليميا، مستفيدا من حقيقتين: أولاهما، ضعف ثقافة الشعوب العربية واحتياجاتها، وثانيتهما دغدغته لعواطفها، تنديدا بالاستعمار واستخدامه للافتات شعبوية أو تخوينية للأنظمة السابقة.

وهكذا سيطر هذا الموروث والتوجه اليساري النزعة على الأنظمة العربية حكما أو هيمنة على مؤسساتها أو مفاصلها، فكان المتحكم للمشهد السياسي وقد اتخذ له منحيين: الأول، علمنة الدولة والتنكر للأصالة القيمية لمبادئ الحكم الرشيد إسلاميا، رافعا شعار فصل الدين عن الدولة، لتكون مقولة الحق التي غاياتها باطلة، وكان المراد سلخ الشعوب عن منابع أصالتها وإضعاف هويتها الدينية مستفيدة من اخفاقات المراحل الأخيرة من عهد دولة الخلافة «الدولة العثمانية»، والثاني الميكافيلية والاقصائية، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة، فكان الوصول الى السلطة، ولو بالقوة، منهجهم فانتشرت الانقلابات العسكرية المصحوبة بالدموية المتحالفة مع أميركا أو الاتحاد السوفيتي، بل صاحب ذلك إقصاء لكل الغرماء، فحين استحوذ الشيوعيون على الحكم لاحقوا البعثيين والعروبيين وغيرهم والعكس صحيح، كما لاحقوا الإسلاميين، ولم تعرف أي دولة عربية حكموها أو هيمنوا على مفاصلها تعددية وتداولاً سلمياً ديموقراطياً حرة للسلطة، ولم تقبل أغلبية الصناديق.

وقد ترك هذا الموروث اليساري الليبرالي اصداءه وانعكاساته على كل الأحزاب والتكتلات والمجاميع الليبرالية في الوطن العربي، فهي ترى أنها - فقط - القادرة على النهوض بمسؤوليات الحكم في الدولة - رغم فشلها المشهود تاريخيا - ولذا فممارستها اقصائية، فهي تصف نفسها بالتقدمية وغيرها بالرجعية، وتحتكر الوطنية لنفسها ولأطيافها وكأن غيرها ليس بوطني، بل تتجاسر باحتكار وصف الديموقراطية رغم تسلطها وعدم إيمانها بالتعددية.

وهكذا، تولدت لدينا ثقافة وممارسة سياسية تتغنى بها النخب السياسية المتخلفة سياسيا، ولا تتحمل رؤية الآخر أو التعددية، بل لقد كانت - في أحوال كونها ليست سلطة الحكم - سندا للحاكم لإقصاء الآخرين والمحرض عليهم، بل واستحواذها بكفاءة أو من دونها على مؤسسات الدولة، فأوجدت ثقافة وموروثا سياسيا عليلا، حفزت من خلاله الآخرين على التعامل وفقا له، فصارت مؤسسات الدولة غنائم توزع مناصبها مجالس إدارات الشركات التابعة وتقتسم على هذا الأساس، ولا عزاء للقيم الوطنية، وتذهب أدراج الرياح المبادئ المعلنة مثل: الديموقراطية، حرية الرأي، العدالة، المساواة، حقوق الإنسان، حقوق الأقلية، الالتزام بالدستور، ولا تعدو أن تكون شعارات للوصول إلى ما يريدون، فان تضارب مع ما يريدون فأحسنهم يصمت واكثرهم ينتهك المبادئ ليصل الى ما يريد، وهي كلها قدمت قربانا لعقلية الاستحواذ والإقصاء المتخلفة.

وها نحن نرى أن التاريخ يعيد نفسه لنرى مشهدا متجددا في كيفية التآمر على تداول ديموقراطي مدني وسلمي للسلطة بترتيبات يسارية النزعة تتآلف مع الغرب وتقحم العسكر لتنفيذ انقلاب على حكم الرئيس المنتخب في مصر الدكتور محمد مرسي - ولست هنا بصدد تبرئة ممارسة مرسي أو حزبه من تعاملهم بالموروث السياسي العربي المتخلف المتّسم بالاقصائية - لكنني أقرر ما هو أهم وأشد إيلاما، وهو هيمنة النزعة الانقلابية الاستحواذية التسلطية على من خطط وشارك ونفذ وصار من أدوات الانقلاب على انتخابات نزيهة برئيس منتخب مسنودة بشرعية الدستور وبصناديق اقتراع نزيهة، وقد خرج علينا اليساريون والليبراليون بمبررات الانقلاب، ليسموا الأشياء بغير أسمائها فوصف الرئيس المنتخب والمخلوع عنوة بانقلاب عسكري أنه رئيس معزول، وكأنه قد عزل بتصويت أو استفتاء مشروع، وشتان بين الوصفين! وها نحن نرى النخب الكويتية السياسية الليبرالية تتدافع لتخريج هذا الانقلاب ومنحه عنوة أوصاف المشروعية، كما توهم ذلك الأخ عبدالله النيباري، ليكشف لنا أنه ومن يدور في فلكه لا يرى التعددية إلا بمن يتطابق معه فكريا، بل وسياسيا، وهذه الطروحات والزعامات من علل تخلفنا الفكري والسياسي، وبكل أسف كما بينت في استهلال هذه المقالة.

اللهم إني بلغت.



أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net

أضف تعليقك

تعليقات  0