عن الثورة المصرية والفلول والعسكر


نجاح الثورة، أي ثورة، يُسقط النظام لكنه لا يقدم حلولاً جاهزة ولا يوقف الصراع السياسي بين الأطراف المشاركة فيها، بل يستمر الصراع بعدها بشكل حاد، وقد ينتج عنه في بعض الأحيان حمل للسلاح من بعض الأطراف التي كانت مشاركة في الثورة والشواهد التاريخية كثيرة.

لهذا فمن غير المتوقع بعد الموجة الثانية من الثورة المصرية المجيدة (30 يونيو) أن تترتب الأمور وتتحقق أهداف الثورة بسرعة، فالصراع السياسي الآن على أشده حول آلية الحكم في المستقبل، حيث تخوض قوى الثورة هناك صراعاً مريراً ضد عودة النظام الأسبق، أو ما يسمى بـ"الفلول" المدعومين إقليمياً ودولياً وضد هيمنة العسكر.

أتقول الفلول والعسكر؟ نعم... فالفلول لم يغادروا الساحة السياسية بعد ثورة 25 يناير التي أسقطت رأس النظام، ولم يحسم نظام "الإخوان" المعزول موقفه من بعض عناصرهم، خصوصاً أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، فضلا عن أن الفشل الذريع لـ"الإخوان" في إدارة المرحلة الانتقالية كان له دور مباشر في تسهيل "تسويق" خطاب الفلول، خصوصاً أنهم كانوا يسيطرون وما زالوا على جزء مؤثر من وسائل الإعلام، ويحظون بدعم إقليمي ودولي.

أما المؤسسة العسكرية، فهي كما قلنا سابقاً "سلطة" قائمة بذاتها لها مصالحها ونفوذها منذ ثورة عرابي في القرن التاسع عشر، والخشية أن يساهم ما يقوم به "الإخوان" حالياً في تمهيد الطريق لقيام العسكر بإدارة شؤون الدولة مباشرة أي الدكتاتورية العسكرية.

وفي السياق ذاته، فإن تقديم بعض أنظمة الخليج معونات ومنحاً مالية مليارية لمصر ليس حباً في الثورة والديمقراطية والحريات، بل لأهداف سياسية داخلية وخارجية كما سبق أن فعلت قطر مع نظام مرسي، وكما فعلت أيضا دول مجلس التعاون مع ليبيا وسورية واليمن والسودان، ويرجع الأمر هنا لشعب كل دولة في محاسبة حكومته على طريقة تقديم المعونات والمنح المالية الخارجية، والتي لا تقتصر على مصر فقط بل تشمل دولاً أخرى أيضاً.

الوضع السياسي في مصر حالياً غير مستقر، والقوى الثورية هناك تواجه تحديات صعبة ومعقدة للغاية، فقوى الثورة المضادة التي تطمح إلى العودة للنظام الأسبق لا تزال قوية ولديها دعم إقليمي ودولي، ولكن الشيء المفرح هنا هو التفاف الشعب المصري حول ثورته.

وحيث إن دفاعنا المستمر عن الدولة الدستورية المدنية الديمقراطية، التي تتسع للجميع ولا يستأثر بها طرف ما ويقصي الآخرين، لا يتغير بتغير المكان والزمان فما ينطبق هنا، على سبيل المثال، ينطبق على مصر وغيرها من الدول، فإن علينا جميعا احترام إرادة الشعب المصري الذي خرج بفئاته ومكوناته كافة بعشرات الملايين، وعدم تشويه صورة الثورة المصرية المجيدة التي أطاحت بالنظام المستبد الأسبق، ثم تجددت يوم 30 يونيو لتطيح بنظام "الإخوان" بعد أن حاول حرفها عن تحقيق أهدافها؛ بإقامة الدولة الدستورية المدنية الديمقراطية.

معارضة النظام المعزول (الإخوان) ومن يؤيده (الأغلبية الساحقة هم من الإخوان وتفرعاتهم التي قد تختلف فيما بينها في بعض الأساليب أو التكتيك، لكنها تتفق جميعها على الهدف أو الاستراتيجية) للموجة الثانية من ثورة 25 يناير لا ينفي عنها صفة الثورة الشعبية، بل يثبتها حيث إنه من المستحيل أن يؤيد أي نظام سابق الثورة التي أطاحت به.

أضف تعليقك

تعليقات  0