" اليوغا " : رياضه بدنيه ام طقوس دينيه ؟

 

مع ازدياد درجة التوتر في الحياة المعاصرة يلجأ الكثيرون في أميركا إلى رياضة اليوغا التي تعود لآلاف السنين من أجل الاسترخاء الجسمي والصفاء الذهني. غير أن الأصول الهندوسية لليوغا جعلت بعض المحافظين من الديانات الأخرى بمن فيهم المسلمين، يتحرجون منها خوفا من تأثيرها عليهم دينيا. فهل يمكن لليوغا أن تضعف من عقيدة الشخص الدينية؟

هذا الجدل تحول مؤخرا إلى صراع قانوني في أميركا، بعد أن بدأت مدارس حكومية في سان دييغو في ولاية كاليفورنيا بتقديم دروس اليوغا للأطفال بهدف مساعدتهم على التركيز وبناء الثقة بالنفس وتعلم التنفس الصحيح وتمارين الإطالة التي تساعد على الوعي الجسمي.

غير أن آباء لهؤلاء الطلاب رفعوا قضية ضد النظامي المدرسي في المقاطعة زاعمين أن تعليم اليوغا، بسبب أصولها الدينية، يتعارض مع مبدأ فصل الدين عن الدولة ويخالف القانون الذي يحظر التعليم الديني في المدارس الحكومية.

ورغم أن القاضي في المحكمة العليا في سان دييغو حكم في مطلع هذا الشهر بأن الـ"هاثا يوغا" (اليوغا الجسدية) التي تعلَّم في مدارس المقاطعة هي رياضة وليست ممارسة دينية، ولا تؤدي إلى تعزيز أو تقييد أي دين، وأن المدارس اتخذت العديد من الخطوات لإزالة أي تعبيرات دينية في التمارين، إلا أن ذلك لم يوقف الجدل، إذ أصر الآباء الذين قدموا الدعوى على استئناف الحكم.

مثل هذا الجدل يدور في الأوساط المسلمة حول العالم، فبينما تنتشر شعبية اليوغا بين المسلمين الذين يبحثون عن الهدوء والراحة الداخلية، صدرت العديد من الفتاوى التي تحذّر منها.

ففي سبتمبر 2004، أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تحرم اليوغا على المسلمين، باعتبارها "من طرق التنسك الهندوسية، ولا يجوز اتخاذها طريقاً للرياضة أو للعبادة".

وفي نوفمبر 2008، أصدر المجلس الوطني للإفتاء في ماليزيا فتوى بتحريم اليوغا لأن بها "صلوات هندوسية قد تؤثر على عقيدة المسلمين"، غير أن ماليزيا تراجعت عن هذه الفتوى بعد أن أثارت احتجاجات واسعة، وقال رئيس الوزراء الماليزي آنذاك عبد الله بدوي إن المسلمين باستطاعتهم ممارسة اليوغا من غير الإنشاد، وقال : "أود أن أؤكد أن هذه الممارسة بجانبها الجسدي يمكن أن تستمر طالما أنها تخلو من العبادة، مما يعني أنها ليست محظورة , لا أعتقد أن المسلمين ينجرفون نحو الوثنية بهذه السهولة".

إقبال كبير على اليوغا : كل هذه المخاوف لم تضعف الاهتمام المتزايد باليوغا في أميركا بين المسيحيين والمسلمين? واليهود وغيرهم، لما يجد الممارسون لها من فوائد صحية: جسدية وعقلية ونفسية. بل أصبحت الكنائس تطرح ما يسمى بـ"اليوغا المسيحية" التي تؤكد على أن "ملكوت الله في داخلكم"، وانتشرت "اليوغا اليهودية" التي تركز على توحيد الجسم والعقل والروح والكون.

وسعى المسلمون إلى استخلاص فوائد اليوغا، حيث قدم مركز آدمز الإسلامي في فرجينيا دروسا في اليوغا للنساء، كما قدمت مدرسة أكاديمية ميشيغان الإسلامية دروس يوغا للطالبات.

وعلى مستوى أميركا ككل، ووجدت دراسة أعدتها مجلة "يوغا جورنال" أن عدد الذين مارسوا اليوغا في عام 2012 بلغ 20.4 مليون أميركي (أي 8.7 في المئة من عامة الشعب)، في زيادة قدرها 29 في المئة عن عام 2008. كما وجدت هذه الدراسة أن نسبة النساء من بين أولئك الذين يمارسون اليوغا بلغت 82.2 في المئة.

"الذين يحرّمون اليوغا لا يعرفون عنها الكثير" يرى الذين يمارسون اليوغا أن الذين يتخوفون منها لا يعرفون عنها الكثير. فريدة حمزة، وهي مسلمة تعمل معلّمة لليوغا في مدينة شريفبورت بولاية لويزيانا منذ أربع سنوات، لا ترى في اليوغا ما يضعف عقيدة أحد، لا سيما "الهاثا يوغا" (أو يوغا القوة الجسدية)، وتقول "صحيح أن

اليوغا نشأت من خلال الهندوسية، غير أن الفوائد التي تجنيها من اليوغا تعتمد عليك في النهاية. أنت فقط تتحكم بالممارسة وإذا أردت أن تردد الترانيم فإمكانك ذلك، وإذا أردت استخدام موسيقى الهيب هوب بدلا من ذلك، فلا بأس".

اليوغا في البلاد العربية متحدثة باسم مركز "يالله يوغا" في القاهرة توافق فريدة الرأي في أن اليوغا لا تؤثر على عقيدة الشخص الدينية، وتقول "إن كانت تؤثر فهذا يعني أن عقيدتك الدينية في الأصل ضعيفة جدا.

صحيح أن جوانب من اليوغا تطورت من خلال الهندوسية والبوذية واليانية وغير ذلك من العقائد الشرقية، غير أن اليوغا لم تكن تمارس كدين بحد ذاته، وليس فيها ما يؤدي إلى ضعضعة عقيدتك الحالية".

وتقول المتحدثة إن الطلاب في مصر يأتون إلى مركز "يالله يوغا" لممارسة اليوغا فقط كوسيلة للرياضة وتخفيف مستوى التوتر، "بالنسبة لهم ليس في الأمر ديانة على الإطلاق، وليس لديهم مشكلة في طريقة ممارستهم لدينهم، الكثيرات منهن يرتدين الحجاب ويصلين خمس مرات في اليوم ومنهن مسيحيات يذهبن إلى الكنيسة لأنهن مطمئنات ومرتاحات في ديانتهن".

وتضيف أن بعض المتدينين لا يرتاحون لليوغا لأنهم لا يعرفون الكثير عنها، "لديهم أفكار مغلوطة عن اليوغا، أو أنهم غير منفتحين على تقبل الطرق المتغايرة التي يتم فيها ممارسة اليوغا. هناك مثلا الكثير من الناس هنا في مصر يمارسون نوعا من التأمل المستمد من الصوفية، وبالنسبة لهم هذا يناسبهم".

ومع ذلك، فيرى بعض المسلمين أن فوائد اليوغا يمكن الاستغناء عنها بغيرها. ومنهم الدكتور عزيز العنزي، مدير مركز الدعوة والإرشاد بدبي، الذي قال لموقع قناة "الحرة" في رسالة عبر تويتر "بالرجوع إلى أصل اليوغا نجد أن لها ارتباطا بعقيدة لا تتفق مع عقيدتنا الإسلامية فتجتنب. ووسائل الاسترخاء المباحة كثيرة".

ويقول الباحث الكويتي عادل البحلق "لا يجوز للمسلم أن يمارس اليوغا البتة، سواء أكانت ممارسة عن عقيدة أو عن تقليد أو كانت طلبا للفائدة المزعومة، ويرجع ذلك لأسباب نستنتجها مما سبق ونلخصها فيما يلي : كون اليوغا تمس عقيدة التوحيد، وتشرك مع الله سبحانه وتعالى معبودا آخر سواه، لما فيها من سجود للشمس وترديد أسمائها".

غير أن الدكتور أحمد الباتلي ، مدير مركز الإعجاز العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، يقول من جانبه عن اليوغا "لا أرى بها بأسا ما دامت تخلو من المحظورات الشرعية؛ وليس القصد التشبه بالبوذيين؛ بل للصحة النفسية".

أضف تعليقك

تعليقات  0