«ديترويت» : 50 عاما من الفساد الإداري قادتها إلى الإفلاس

 

ظلت الأضواء تخفت في ديترويت لعقود. في البدء أثارت اضطرابات في الستينيات موجة من الهجرة إلى الضواحي المجاورة. وبعد عقد اهتزت القاعدة الصناعية للمدينة بسبب زيادة كبيرة في واردات السيارات من اليابان.

لكن حتى ديف ميدور، كبير الإداريين الماليين لـ ''دي تي إي إنيرجي''، وهي شركة منافع محلية، فوجئ حين طُلِب من شركته أن تستلم إنارة الشوارع من المدينة، وبعد ذلك أن تزود المدارس والمكاتب الحكومية ومعهد ديترويت للفنون بالكهرباء.

ويقول ميدور: ''جاءنا العمدة والحاكم وقالا لنا: نحن نفتقر إلى الموارد، نرجو أن تساعدونا''.

ويضيف: ''على قدر ما أذكر كانت هناك دائماً حالات انقطاع للتيار الكهربائي في هذه المدينة''.

ومدينة ديترويت، مثل ممثلة متقدمة في السن، تحمل آثار مجد قديم. ففي وسط المدينة توجد ناطحات سحاب مذهلة تحمل طابع الفن المعماري لمنتصف القرن الماضي، وضواحي تشتمل على قصور فخمة ذات أبراج، وواجهة نهرية تصطف مع شقق فاخرة.

ورغم أن الإعلان الذي صدر عن كيفن أور، مدير الطوارئ في المدينة، متضمنا طلبا لإشهار الإفلاس يوم الخميس جاء مفاجئاً تماماً، إلا أن القرار كان متوقعاً منذ أكثر من عقد.

وواجهت مدن أمريكية أخرى حالات إعسار من الناحية العملية، أو شبه انهيار، مثل نيويورك وبتسبيرج وبالتيمور، وكلها استطاعت إخراج نفسها من المأزق، بدرجات متفاوتة.

لكن مشاكل ديترويت التي طال عليها الأمد، وديونها البالغة 18 مليار دولار، جعلت منها حالة خاصة من حيث التحديات الاقتصادية المستعصية وتاريخ من الإدارة غير الرشيدة والفساد، ما جعل من المستحيل إجراء إصلاحات سريعة.

وبحسب كين بَكفاير، رئيس البنك الاستشاري المختص ''ميلر بَكفاير''، الذي تم التعاقد معه في كانون الثاني (يناير) الماضي لتقديم المشورة للمدينة حول إعادة هيكلتها: ''لا تستطيع ولاية ميتشيغان إنقاذ ديترويت. لأن هذا سيعطي حافزاً لكل مدينة أخرى لأن تكون غير مسؤولة''. وأضاف: ''إذا كان هناك إعصار، من الممكن لميتشيغان أن تنقذ ديترويت، لكنها لا تستطيع إنقاذها من 50 سنة من سوء الإدارة''.

كذلك أوضح البيت الأبيض، الذي سبق أن ساعد في إنقاذ صناعة السيارات التي تمتلك مصانع في المدينة وفي الضواحي المحيطة بها وفي ولايات أخرى، أن ديترويت لن يتم إنقاذها.

وفي بيان دمث صدر بعد إعلان الإفلاس، قال البيت الابيض إن الرئيس باراك أوباما ''يراقب الوضع عن كثب'' إلا أنه أوضح أن أي حل إنما يرجع إلى الزعماء المحليين ودائنيهم.

والجزء الأكبر من الدائنين غير المكفولين بضمانات هم صناديق التقاعد لموظفي الحكومة، الذين كانت نقاباتهم ذات يوم قادرة على الالتماس والفوز بشروط سخية، لكن الآن قد لا يكون بحوزتها إلا القليل. وظلت نقابات القطاع العام حاضرة بقوة في سياسة الديمقراطيين المهيمنة في المدينة، لكن في العقود الأخيرة كانت تطالب بالعوائد من نظام غير مليء.

وقال مايكل لافيف، من مركز ماكيناك للسياسة العامة: ''لدى ديترويت ما يقرب من 50 نقابة من النقابات المختلفة التي تخدم العاملين في المدينة''.

وريك سنايدر، الحاكم الجمهوري الذي يخوض عملية لإعادة انتخابه في العام المقبل، ليس لديه حافز سياسي يذكر لوضع المال في ديترويت الديمقراطية المثقلة بالديون، وهذا عامل آخر وراء إعلان الإفلاس. وبحسب بيل بالينجير، وهو معلق سياسي محلي: ''ريك سنايدر والجمهوريين لا يستفيدون شيئاً هناك. وسيكونون محظوظين لو حصولوا على 10 في المائة من الأصوات''. وتراجع ديترويت الذي كان يحدث بالحركة البطيئة، جنباً إلى جنب مع هجرة السكان التي بدورها ساهمت فيه، أدى إلى تدمير القاعدة الضريبية في المدينة.

وانخفض عدد السكان من ذروة بلغت مليوني شخص تقريباً في خمسينيات القرن الماضي إلى أقل من 700 ألف، وتراجع العدد بمقدار الربع منذ عام 2000.

وقال لافيف: ''كثير من الأشخاص الذين غادروا المدينة خلال السنوات كانوا من ألمع السكان وأكثرهم ريادة للمشاريع. والأشخاص الذين ظلوا وراءهم لا يمكنهم أن يتحركوا حتى لو أرادوا ذلك''.

وحجم المدينة الذي كان في الماضي نقطة إيجابية لصالحها هو أكبر مشاكلها الآن. فهي تتمدد على 139 ميلا مربعاً، تنتشر فيها مساكن مزرية مغطاة بألواح خشبية، ومحال تجارية لا تفتح أبداً، وبنايات سكنية المهجورة.

وإذا تركتَ منزلاً غير مأهول ليوم واحد، سيختفي منه السياج وحتى إطارات النوافذ. والمحال التجارية التي لا تزال تمارس أعمالها تلبي احتياجات السكان الذين يعيشون على الهامش، وتقدم خدمة القرض قصير الأجل، المسمى قرض الراتب، إضافة إلى التحويلات النقدية.

وأمام أور مهمة شاقة، أولاً، لإصلاح الميزانية العمومية، ومن ثم وضع المدينة على طريق الاستقرار الاقتصادي. والتحدي شاق نظراً لمعدل الجريمة المرتفع والذي يصل إلى خمسة أضعاف المتوسط الوطني، والبطالة المرتفعة إلى 18.6 في المائة، أي أكثر من ضعف المعدل الوطني. وعدد المقيمين العاملين في المدينة 275 ألف فقط.

وشهدت ديترويت على مدى عقود موجة من الخطط البراقة، التي تم تصميمها لتكون أساساً للانتعاش، تمتد من ''محركي الناس'' إلى إحياء مركز المدينة، وبناء ملاعب رياضية جديدة.

وعندما تم افتتاح برج المكاتب ''مركز النهضة'' قبل أكثر من ثلاثة عقود، قال هنري فورد الثاني في حفل الافتتاح: ''وصلت ديترويت الى القاع وهي في طريقها الآن إلى الصعود''.

وحضر الحفل آنئذ رئيس بلدية فلورنسا في ولاية ألاباما - مدينة 'النهضة' الأصلية. وتم تمويل المركز إلى حد كبير من قبل فورد، وهو مملوك الآن لشركة جنرال موتورز، التي أنفقت 500 مليون دولار على عملية تجديد تم إنجازها عام 2004.

ولا أحد يتظاهر هناك بوجود حل سريع الآن. ويقول أور: ''لا يوجد ضوء للنهار هنا، نحن بحاجة إلى وقت طويل لضبط الإعدادات من جديد وهذا هو الإفلاس''.

ومن بعض النواحي تعتبر ديترويت وجه الاقتصاد القديم، حيث تضرب جذورها في صناعة السيارات. لكن صناعة السيارات نفسها لم تعد الاقتصاد القديم، وهو تغيير قد يقدم سبيلاً للخروج من انعدام الملاءة. فالأنظمة الإلكترونية التي تعتبر بمثابة الدماغ للسيارات للسيارات، مليئة بتكنولوجيا المعلومات، ما يعطي المدينة في عيون بعض زعماء الأعمال الفرصة لخلق رأس المال الاستثماري والبرمجيات وصناعة الخدمات الخاص بها.

ويرى كثيرون في المدينة أن طلب الإفلاس ليس رمزاً لعقود من الإهمال بقدر ما هو وسيلة لإعادة التشغيل. ويقول مات كالن، الرئيس التنفيذي لشركة فنتشرز روك، التي تمتلك ما قيمته مليار دولار من العقارات في وسط ديترويت: ''النكتة المعتادة هي إذا كنت من ديترويت وتخرجت من جامعة ميتشيغان، فقد تكون قد تلقيت قطعتين من الورق؛ شهادة وتذكرة خروج. لكن لا يمكنك مجرد أن تلقي بالمدينة بعيدا عنك''.

أضف تعليقك

تعليقات  0