طريق التاريخ ليس معبّداً


كان المؤرخون القدماء يظنون أن التاريخ يصنعه الملوك، ولذا كان يصلنا وتتشكل بناء عليه معارفنا أخبار الملوك وغزواتهم وحروبهم وفتوحاتهم وأمجادهم وإنجازاتهم، دون أن نعرف دور الشعوب في هذا التاريخ.

لكن علم التاريخ المستند للتحليل والتفسير الماديين أثبت أن التاريخ تصنعه الشعوب أو البشر بشكل عام، وليس القادة أو الملوك، فكل ما حدث في التاريخ من تطور للبشرية كان من صنع الناس.

كما كانت هناك أفكار خاطئة سائدة مثل أن التاريخ يعيد نفسه أو يسير بشكل مستقيم، وهذا ما يعنيه التقدم والتطور حسبما يعتقدون، لكن الفلسفة المادية التاريخية أثبتت أن لهذه التحولات أو التقدم أو التطور قوانين علمية موضوعية خارجة عن وعينا، وإن التاريخ يسير بشكل لولبي تصاعدي فيبدو كأنه يعود إلى نقطة البداية أو يعيد نفسه ولكنه في الحقيقة يعود بشكل أعلى تصاعديا مثل الزمبرك اللولبي.

ولكن الإرث الثقافي للشعوب العربية جعلهم يقفون عند دور الفرد في صناعة التاريخ -رغم أن للفرد دوراً مهماً في التاريخ -، ويرسمون في أذهانهم أيضاً أن التاريخ يسير بخط مستقيم كالطريق المعبد الذي ينقل حركتنا للأمام. ولذا لم يكن متصوراً قبل

ثورات عام 2011م أنها ممكن أن تحدث في ظل غياب «قائد فذ» مثل جمال عبد الناصر، وفوجئ الجميع بخروج الملايين من البشر في العواصم العربية ليصنعوا تاريخاً جديداً، وتنتشر مفاهيم مثل ثورات عفوية أو ثورات شبابية أو ثورات تكنولوجيا التواصل الاجتماعي دون أن يعرفوا أن ذلك أمر طبيعي في كل الثورات عبر التاريخ.

ورغم أن الإنسان العربي عاش مرحلة احباط طويلة وحالة من الخذلان وخاصة بعد تحول ثورات التحرر الوطني العربية في القرن العشرين إلى أنظمة استبدادية، إضافة إلى هزيمة أو نكسة يونيو 1967م، إلا أن أمله قد تجدد بعد ثورتي تونس ومصر عام 2011م.

ثم عاد وأُحبط من جديد بعد قفز العسكر وقوى الإسلام السياسي على هاتين الثورتين، رغم أن هذه القوى شاركت متأخرة في هاتين الثورتين، وعندما حدثت ثورة 30 يونيو ظل كثير من الناس وبالأخص المثقف العربي متشككين من نتائج هذه الموجة الثورية.

والواقع أن هذه الموجة الثورية في مصر جاءت استكمالاً لثورة 25 يناير 2011م، ولأن التاريخ لا يسير بخط مستقيم فيمكن أن تمر الأحداث التاريخية بعثرات والتواءات وتراجع موقت.

هذه الموجة الثورية الثانية كانت أكثر نضجاً من موجة يناير، لأن الجماهير استفادت من أخطائها، فمن قاد الحراك الجماهيري فيها هذه المرة هم الشباب المسيسون الذين ينتمون إلى أحزاب وطنية وديموقراطية وتقدمية وليس شباباً ينتمون إلى منظمات

مجتمع مدني، كما أن الجماهير لم تترك الميادين كما فعلت في الموجة الثورية الأولى في يناير 2011م بعدما تسلم الجيش زمام الأمر، كما رفعت الجماهير شعارات أكثر جذرية ضد حكم العسكر وضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وضد التدخل في شؤون الشعب المصري، كما ساهمت بفعالية برسم خارطة الطريق التي قرأها قائد القوات المسلحة عبد الفتاح السيسي تحت ضغط الجماهير الهائلة وغير المسبوقة في تاريخ البشرية.

وفي ظننا أنها لن تكون الموجة الثورية الأخيرة، فما زال طريق التقدم طويلاً، فالتقدم عملية لا نهائية والتاريخ في سيرورة لا تتوقف والنصر لابد أن يكون للشعوب التي تصنع تاريخها.

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com


أضف تعليقك

تعليقات  0