سنغافوره تسحب البساط من تحت أقدام سويسرا

 

قبل بضعة أسابيع تجمعت مجموعة صغيرة من المصرفيين والدبلوماسيين السويسريين في مطعم الطابق الأرضي، من برج المكاتب الشاهقة في وسط الحي التجاري في سنغافورة.

لقد حضروا للاحتفال بحدث غير عادي: افتتاح أول فرع للبنك السويسري الوطني المركزي في الخارج. يحتاج البنك المركزي لتحقيق إدارة أفضل لمقتنياته البالغة 50 مليار فرنك سويسري (53 مليار دولار) من النقد الأجنبي في العملات الآسيوية - في المنطقة الزمنية الآسيوية – بعد أن اختار سنغافورة من بين غيرها من المراكز المالية في المنطقة.

وقال رافي مينون، رئيس السلطة النقدية في سنغافورة (MAS) (أي البنك المركزي) : إن سنغافورة مسرورة بشكل خاص عندما تم اختيارها. البلدان مثل "روحان متشابهان".

وأضاف: إنها كانت "مجاملة عظيمة" عندما تم وصف سنغافورة، التي هي غالباً كذلك، بأنها "سويسرا آسيا" بفضل صعودها كواحدة من أكبر مراكز إدارة الأصول في آسيا.

ولكن تحت العبارات المهذبة يكمن واقع غير مريح: يمكن لسنغافورة الآن أن تتجاوز سويسرا كأكبر مركز لإدارة الثروات في العالم، محدثة بذلك تحولاً تاريخياً آخر في قوى التوازن الاقتصادي بين الشرق والغرب.

كشف البنك المركزي أن قيمة الأصول المدارة في دولة المدينة قفزت بنسبة 22 في المائة في العام الماضي إلى مستوى قياسي قيمته 1.63 تريليون دولار سنغافوري (1.29 تريليون دولار أمريكي) بعد أن كانت في السنة السابقة عند 1.34 تريليون دولار سنغافوري.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، توقعت شركة برايس ووترهاوس كوبرز الاستشارية أن سنغافورة قادرة على إزاحة سويسرا في وقت مبكر يمكن أن يكون عام 2015. ووفقاً لجمعية المصرفيين السويسريين، التي تعتمد على بيانات من البنك المركزي السويسري، كان هناك 2.8 تريليون فرنك سويسري (2.99 تريليون دولار من الأصول الأجنبية الخاضعة للإدارة في سويسرا في عام 2012.

الأسباب لمثل هذه التوقعات واضحة. لعدة سنوات، خاصة منذ أزمة عام 2008، تم إنشاء مزيد من الثروات في آسيا، وبشكل أسرع من أي منطقة أخرى أو في أي وقت آخر.

وفي حين تستمر أمريكا الشمالية واليابان موطناً لكميات ضخمة من الثروات الخاصة، تجمع آسيا الثروات بشكل أسرع، لأنه يجري إنشاؤها من قبل جيل جديد من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع في الاقتصادات المتنامية بسرعة في جنوب شرق آسيا.

وتشير تقديرات مجموعة بوسطن للاستشارات إلى أن الثروات الخاصة في "العالم القديم" - أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان – نمت بنحو 6 في المائة العام الماضي أي 5.3 تريليون دولار.

في المقابل، فإن النمو في "العالم الجديد" من آسيا (باستثناء اليابان)، وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط ارتفع بأكثر من ضعف ذلك المعدل: 12.9 في المائة. لقد كانت عملية تجميع الثروات والسرعة التي حدثت بها عملية مذهلة حقاً في سنغافورة وحدها, في العام الماضي كان هناك ما يقرب من 100 ألف شخص لديهم الأصول القابلة للاستثمار تزيد على مليون دولار لكل شخص، وفقا لبنك رويال الكندي وكابجيميني للاستشارات, وتصل ثروتهم الإجمالية إلى 489 مليار دولار. حققت سنغافورة أيضا تأثيراً أكبر في جذب الثروات من الأسر في إندونيسيا وماليزيا وتايلاند والفلبين، بحكم موقعها في وسط جنوب شرق آسيا.

ونتيجة لذلك، فقد جذبت سنغافورة كل اسم تقريباً في إدارة الثروات. ويقول البنك المركزي إن هناك أكثر من 500 شركة لإدارة الأصول العاملة في سنغافورة، بما في ذلك المصارف التي مقرها سويسرا، مثل بنك كريدي سويس وبنك يو بي إس، التي لأجلها تعتبر سنغافورة هي أكبر مركز خارج سوقها المحلية.

بالتالي بالنسبة للبنوك ليس المهم أن نسأل ما إذا تجاوزت سنغافورة سويسرا، لم يعد هذا السؤال ذا صلة بقدر ما إذا كانت هذه البنوك قادرة على جني المال من هذا الاتجاه العام. ولكن ربما تكون الإجابة على هذا السؤال هي أن هذا العمل أصبح صعباً بصورة متزايدة. سنغافورة سوق مزدحمة، تحتوي على بنوك همها ملاحقة مجتمع غالبيته من العملاء الآسيويين المهتمين بالحصول على عوائد من هذه الثروة، وهم أقل اهتماماً بالحفاظ على الثروة مثلما هو الحال في أوروبا.

يضع هذا الحال البنوك تحت ضغط مستمر، وهو الذي يدفع هذه البنوك للجوء إلى تعاملات مالية في السوق الرأسمالية قادرة على جذب مثل هؤلاء العملاء، مثل المنتجات المهيكلة والمشاركة في الاكتتابات العامة الأولية والإصدارات الثانوية، وكذلك صفقات المشتقات المعقدة.

يقول رئيس فرع بنك سنغافوري لأحد المصارف الأوروبية الخاصة: "يشكل هذا الوضع صعوبات أمام أغلب المصارف للحصول على حصة رئيسية من حجم السوق، وفرض الأسعار بالفعل. وكل شيء يتأسس على الأسعار، التي تزيد من حدة المنافسة في السوق".

وإضافة لذلك، تقول المصارف إنها تبذل جهوداً مضنية لمواجهة النقص في "مديري العلاقات" المؤهلين الضروريين لجذب العملاء والمحافظة عليهم. يصعب هذا الحال الأمور أمام أصحاب الأعمال الأثرياء في جنوب شرق آسيا، الذين اعتادوا في أعمالهم التعامل مع أكثر من مصرف واحد في نفس الوقت. وهو ما يختلف عن أوروبا، فالآسيوي أقل ولاءً لمصرفه من الأوروبي.

حاول البنك السويسري المتحد "يو بي إس" معالجة هذا بتدريب موظفيه في "مجمع لإدارة الثروة" كان مقراً سابقاً للقوات البريطانية إبان العهد الاستعماري. ولكن كان على تلك المجموعات التي تفتقر لنطاق "يو بي إس" أن تتعامل بتكاليف باهظة. يقول فينسنت ماجنينات، الرئيس التنفيذي لمكتب بنك لومبارد أودييه في سنغافورة، وهو أحد أقدم المصارف السويسرية الخاصة: "جعلت هذه الزيادة في نسبة تكلفة الأعمال إلى الدخل في سنغافورة أعلى مما هي في سويسرا".

وتواجه المصارف الغربية عوائق إضافية. إذ عملت المصارف الآسيوية المنافسة بجدية في مجال إدارة الثروات، ما جعلها تبني لنفسها مواقع حصينة بعد عقود طويلة من وجودها في المنطقة. ولبعض هذه المصارف مثل يونايتد أوفرسيز بانك، وهو ثالث أكبر مصرف في سنغافورة من حيث الأصول، علاقات طويلة مع الجاليات ذات الأصول الصينية في جنوب شرق آسيا، التي تمتلك حصة هائلة من الثروة تفوق نسبتها إلى عدد السكان، بكثير.

وعلى الرغم من ذلك، يعتقد رجال المصارف في مصرفي لومبارد أودييه ومنافسه جوليوس بار، الذي استحوذ أخيراً على أعمال إدارة الثروة الآسيوية في بنك ميريل لينش، أن بإمكانهم المنافسة بناءً على تاريخهم في الخدمة الشخصية.

يقول ثوماس ميير، الرئيس التنفيذي لبنك جوليوس بار في سنغافورة : "وجود حجم معين من الأصول شرط مسبق للبقاء في الأعمال، والمسألة لا تتعلق فقط بتكاليف الإدارة، ولكنها تتعلق أيضاً بما يتوقعه العميل من المصرف".

أضف تعليقك

تعليقات  0