الرأسمالية تستنجد بفوكوياما


لم يعد هناك سوى القليل ممن يحترمون أفكار المفكر الأميركي «فرانسيس فوكوياما» لعدم مصداقيته، حتى من أصحاب الفكر الليبرالي الرأسمالي الذين شجعوه في البداية ودعموا دوره وكتاباته المستمرة ضد الاشتراكية وفكرها ولعل أهمها كتابه الذي روجته الرأسمالية وسوقت له وهو «نهاية التاريخ»، ويقصد به أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ وآخر نظام اقتصادي اجتماعي للبشرية، فحظي بتكريم الرأسمالية اللامحدود، ثم تراجع عن فكرته واعترف بخطئه ما أثار استياء الرأسماليين الذين أملوا أن يكون سهماً ورأس حربة موجهة إلى الفكر الاشتراكي الذي عاد للصدارة أخيرا، ثم عاش بعد ذلك في الظل ولم يكترث به أحد بعد تراجعه.

وعلى أثر الأزمة الاقتصادية الرأسمالية البنيوية عام 2008م، نشأت حركة تحرر وانتفاضات عالمية في أوروبا والولايات المتحدة وتركيا والعالم أجمع ذات محتوى تقدمي، كان في الصدارة منها الأحزاب اليسارية والتقدمية والنقابات العمالية، وهنا نشأت في العالم وبالأخص في الولايات المتحدة صراعات فكرية تعيد الاعتبار لفكر ماركس الذي تنبأ بأزمات الرأسمالية، قادها أكاديميون أميركيون ماركسيون ويساريون في مواجهة ادعاءات مفكري الرأسمالية الضعيفة التي صورت هذا الحراك الذي يعم العالم ضد سياسة النيوليبرالية الاقتصادية التي أفقرت الشعوب ورفعت معدلات البطالة، بل سببت ثورات عربية هي الأولى في تاريخهم بأنه من صنع الطبقات الوسطى وبأن الرأسمالية هي الأحق بالحياة.

ونُقل عن فوكوياما أخيرا كتابات جديدة مفادها أن «الطبقة الوسطى هي التي تقود ثورات «الربيع العالمي» ولم يكن للطبقة العاملة دور مبادر ومؤثر في هذه الانتفاضات في محاولة لطمس طبيعة طبقية الصراع، وهو قول يشبه توصيف الثورات والانتفاضات الأخيرة بأنها شبابية وعفوية وثورات تويتر وغيرها، والقصد منها هو تهميش دور الأحزاب السياسية وبالأخص التقدمية ودور الطبقة العاملة التي لعب اضرابها العام في مصانع مدينة المحلة وبقية المصانع دوراً حاسماً في انتصار ثورة 25 يناير 2011م المصرية وهذا ما حدث في تونس أيضاً.

نعرف أن كل الثورات وخاصة ذات التوجه الوطني الديموقراطي تقوم بها فئات متعددة من بينها «الطبقة الوسطى» المعروفة بتذبذبها بسبب ضغط منافسة البرجوازية الكبيرة عليها، لكنها ومع تحفظنا على مصطلح «الوسطى» غير منظمة أو متجانسة، على عكس الطبقة العاملة التي تعتبر أكثر تنظيماً، وهذا حدث حتى في الثورة البلشفية التي ضمت مثقفين وبرجوازية صغيرة وعمالا وفلاحين وعسكريين، رغم أن هذه الثورة كانت ضد النظام الرأسمالي من أجل اقامة الاشتراكية وليست ثورة وطنية ديموقراطية.

كما أنه أصبح من المعروف أن بنية الطبقة العاملة قد تغيرت ولم تعد نفسها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لكن أيضاً تغيرت بنية الرأسمالية ولم تعد كما كانت، وهذا التغير في بنيتي الطبقتين فرضته الضرورة التاريخية للتطور، فلم يعد العامل يلبس «الأوفراول» الملطخ بالزيت والشحم حيث كانت الرأسمالية تستغل قوته العضلية بل أصبحت تستغل قوته الذهنية وهذا يتطلب أن تكون الطبقة العاملة ذات تعليم وتدريب عاليين، خاصة في عصر العولمة الرأسمالية.

كانت الطبقة العاملة في الثورات الديموقراطية العربية الأخيرة التي اشتركت بها «الطبقة الوسطى» هي الأكثر تنظيماً وانسجاماً بل وثباتاً على مبادئ الثورة، بينما لعبت «الطبقة الوسطى» دوراً انتهازيا بحوارها ومساوماتها مع الأنظمة القديمة.

أظن أن الرأسمالية تذكرت فوكوياما واستعادته لمواجهة الثورات وحركة التحرر العالمية ضدها وحرصت كما هي العادة على تهميش دور الطبقة العاملة والأحزاب التقدمية التي تمثلها لتشكيك المثقف والناس بدور الأفكار التقدمية وفاعلية الطبقة العاملة في «الربيع العالمي»، رغم أن الواقع يثبت عكس ذلك وسيثبت أيضاً خطل وتخبط فوكوياما الفاقد لمصداقيته وستنساه الرأسمالية مرة أخرى.

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0