أبو حسام.. غاب عن الصورة


منذ اكثر من عشرين عاما اعتاد مجموعة من الاصدقاء وابنائهم، ومن بينهم «ابو حسام» سليمان المطوع، اللقاء على مائدة الافطار في مساء كل يوم جمعة من جُمع رمضان الكريم، وكان من طقوس ذلك اللقاء اخذ صورة جماعية كان ينظمها ويرعاها ابو حسام، من تنظيم الجلوس وترتيب الصفوف واعداد متطلبات التصوير، وحول اخذ الصورة يدور المزاح والمداعبة، وايضا حول من غاب ومن سيغيب العام المقبل، وكان ابو حسام هو محرك هذا المزاح على عادته.

في هذا العام غاب احد اركان الجمع ابو حسام عن الصورة، وكان لافتا غياب المزاح والدعابات التي ترافق اخذ الصورة، ومضى استكمال طقوس الصورة من دون الضجيج المعتاد الذي كان يصاحبها، وطغى الصمت وساد الهدوء هذه المرة، لم يثر اي تساؤل او تعليق على ذلك، لعل الصمت كان ابلغ تعبير جماعي تلقائي عن عمق مشاعر الحزن بفداحة المصاب بفقدان عزيز غاب عن الصورة وبقي مكانه خاليا.

لم يكن ابو حسام شخصية عادية، بل كان من النوع المميز النادر الذي قليلا ما يتكرر في حياة المجتمعات.


رحلة حياة

في رثائه تطرق العديد من الاصدقاء والمحبين الى ادواره في الحياة العامة للمجتمع الكويتي، منذ ان كان طالبا في مدرسة المباركية، يؤم صلاة العصر التي كانت تؤدى في المدرسة آنذاك، الى انتقاله بعد نيله شهادة الثانوية الى بريطانيا، حيث اكمل دراسته، وعاد مدرسا في الثانوية التي انتقلت من المباركية العريقة الى ثانوية الشويخ الشامخة، ثم ناظرا لها، وتخرج على يده العديد من الشباب تبوؤوا مراكز مهمة وكوادر بناء الامل في مشروع دولة الكويت الحديثة، واستمر في تقلد الوظائف والمناصب في شركة نفط الكويت، ثم المعهد العربي للتنمية الاقتصادية، واسهم في منتدى الخليج للتنمية وحرص على لقاءاته السنوية.

فكانت كل المهام التي تولاها لصيقة بالتنمية البشرية واعداد الكوادر والقدرات الانسانية، وانتهى به مطاف الخدمة العامة بتولي منصب الوزارة في حكومة الكويت.

لكن في حياة ابي حسام كان هنالك جانب مميز مهم ونادر، يعكس نظرته للحياة، وكيف يعيشها، يلمسه من اتيحت له فرصة معايشته عن قرب. كان يحمل في مشاعره القلق على الشأن العام ممزوجا بالدعابة والسخرية، في اللقاءات يبادرك بحديث القلق، متطرقا الى ما استجد في الاحوال العامة وما طرأ عليها من احداث وتطورات تستدعي احيانا ما مر به من تجارب وخبرات، ومع استمرار الحديث وتبادل الآراء ينتقل بك تدريجيا الى المزاح والدعابة الممزوجة باسلوبه الساخر، وكأنه يروم تفريج الهموم وتبديد القلق واضفاء طابع المرح على جو الجلسة، دعابته وسخريته لا تقفان عند حدود قد تكون خشنة احيانا، لكن يطلقها بشكل مقبول لا ينفر منها احد، وتبقى في حدود جو المزاح والمداعبة.

هذا المزج بين الشعور بالقلق والنزوع للملاطفة وخلق جو المرح خاصية لا تجدها الا عند النادر من البشر، وسليمان من ابرزهم، وهي صنعة حصرية لا يجيدها الا امثال ابي حسام.

وعندما يجدُّ الجد تجده في المقدمة ما ان يمرض احد من اصدقائه او معارفه، او واجه صعوبة ما في اي شأن، الا وتجده تولاها، وكأنه المسؤول الاول عنها، وعن طريقه يتلقى بقية المعنيين اخبار تطور الحالة سواء كانت مرضا او مسألة معقدة.


ذكرى خالدة

العزيز ابو حسام ستبقى في الصورة محفورا في مخيلة احبائك، حاضرا في اذهانهم ومشاعرهم ابدا لن تغيب.

ابنتي تقول انها ستفتقد عم سليمان وسلامك عليها وانت تمشي على شاطئ الشاليهات.

بقي ان نقدم خالص العزاء لحبيبته ورفيقة دربه وشريكة حياته الزميلة والصديقة الاخت العزيزة ام حسام، فاطمة بنت حسين العيسى، ندرك فداحة المصاب وعمق الفراق، لكنني واثق بانك قادرة على مواجهته بقوة عزمك.

كنت تحدثينا عن صلابة سليمان وتماسكه في مواجهة المرض طيلة سنين المعاناة، كان يتصرف وكأن المرض حالة خارج جسده، لم يؤثر عليه في مواصلة اسلوب حياته الذي لم تفارقه الدعابة، ولم يشعر احد الى اللحظات الاخيرة بانه يعاني من مرض عضال، ابدا لم تغب عنه روح الدعابة والمرح.

ولا اخالك الا بالصلابة والتماسك نفسهما.

الفراق، اي فراق، صعب، فما بالنا بفراق اعز الاحبة وشريك الحياة، لكنني واثق بما اعرفه عنك من عزم بأنك قادرة على مواجهة الظرف بالقوة والشكيمة نفسهما اللتين واجه بهما سليمان ما عاناه، وبما كان يتمنى لك من صلابة وتماسك، فتقبلي تعازينا ومشاركتنا لك فداحة المصاب.



عبدالله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0