مأتم دفن آمال الشعب


في آخر أيام شهر رمضان المبارك يحار المرء في توصيف المشهد السياسي في الساحة الكويتية، بمناسبة افتتاح مجلس الأمة الجديد وتشكيل الحكومة.

هل نحن في حالة احتفال بعيدٍ أم أننا في حالة مأتم ننعى فيه دفن آمال الشعب الكويتي وقبر الديموقراطية التي تطلع اليها أهل الكويت طريقاً لبناء مجتمع متصالح، يبني فيه دولة القانون، وأساسا لحفظ حقوق المواطنين، وإطارا للحكم الرشيد بمؤسسات تدفع عجلة التنمية المستدامة الصحيحة؟

اعتقد أننا كمواطنين بحاجة الى وقفة مع النفس، نتأمل واقعنا بمنطق صادق وموضوعي، ونزيح جانبا السذاجة وربما البلاهة، ونرى أمور واقعنا كما هي لا كما يزينها الجهل والنفاق والكلام المعسول المكرر والممجوج، وان نبتعد عن خداع ذواتنا والضحك على أنفسنا، دونما إدراك لخطورة المنحدر الذي ينزلق عبره المجتمع إلى هاوية التخلف والدولة الفاشلة، التي لن يغطي ما تفرزه من محن اجتماعية وما تنتجه من صراعات ملتهبة، لن تستطيع وفرة المال أن تطفئها أو تحتويها، بل ربما تزيدها تأججا.

لقد تناولت جريدة القبس في افتتاحية عددها الصادر يوم الاثنين تحليلاً موضوعياً جريئاً للحالة الكويتية الراهنة، شخصت فيه وضع الكويت الحالي في شرح طويل استغرق 1200 كلمة اتمنى وأنصح أن يقرأه بعناية كل من يشغله حاضر ومستقبل البلد، أقتبس منها الفقرات التالية وأعتذر عن اطالة الاقتباس.

قالت القبس:

«الرسالة الواضحة التي بعث بها الكويتيون في انتخابات رمضان، كانت رغبتهم القوية في إخراج الكويت من حالة الإحباط المُرّة، واليأس القاتل اللذين طال أمدهما، ويخنقان كل أمل أو تفاؤل بغد أفضل. فهل تستوعبها الحكومة وتعمل بمقتضاها؟

أزمات مركبة في كل ميادين حياتنا، تُركت من دون حل، حتى تراكمت وتعقدت. وكثير منها صُنع بفعل فاعل، إهمالاً أو تقصيراً أو عجزاً، وربما، أحياناً كثيرة، رغبةً وعمداً.

أرضنا المعطاء الخيرة، أصبحت تربة خصبة للفساد والإفساد، والرشوة، والتحايل على القانون، حتى فقد فعله، وهيبته واحترامه. فلا يُنفّذ على فاسد أو مرتشٍ أو مرتكب، او غشاش. وما عاد القانون ينفع، لأن الكلمة العليا أصبحت للمال، والتكسب من الموقع والوظيفة العامة، فتحول الفساد الى وباء، أصاب الحكومات، وبعضها ساهم في انتشاره، وانتقل المرض الى ممثلي الأمة. وضربت لعنته مستويات مختلفة من الإدارة، وتكاثر الطفيليون ممن «صرفوا» الثقة والأمانة بأرصدة حرام.

لا نذكر أننا مررنا، حتى في أحلك الأوقات، باهتزاز الثقة بالبلد والذات، كالذي نعانيه اليوم.

انعدام الثقة يكاد يكون في كل شيء: المؤسسات وأولها السلطتان التشريعية والتنفيذية، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام.

كآبة متزايدة، خاصة في أوساط الشباب، من انتشار الفساد والواسطة والرشوة وانعدام الإبداع.

تشاؤم يكبر ويتجذّر من التخبط في السياسة والاقتصاد والإدارة، والعجز عن المعالجة، وعن استنباط حلول للمشاكل في سوق العمل والتضخم وقضايا الإسكان والتعليموالرياضة والفن والثقافة.

وتردد قاتل في توظيف الطاقات الشابة، ودفع دماء جديدة في الإدارة وتنمية روح المبادرة والإقدام لدى الجيل الجديد من شبابنا وشاباتنا الذين يمتلكون الكفاءة والتأهيل ويملأهم الحماس. لكنهم يصطدمون بواقعنا. فيحبطهم ويجمّد همّتهم ورغبتهم، ويقتل فرصتهم في عطاء بلدهم، والمساهمة في تقدمه.

ومع الأيام، تزداد القناعة بأن فاقد الشيء لا يعطيه. فالحكومات تائهة، وإدارات عليا عفا عليها الزمن، حتى أصبح الفساد مرادفاً لحياتنا العامة، عطل التنمية إذ انه قاتلها، وزعزع الضمائر، وهو ألد أعدائها».

(انتهى الاقتباس).

لقد مرت الكويت بعقود كانت فيها منارة المنطقة واليوم أصبحت في مؤخرة الركب، وموضع سخرية واستهزاء من أبنائها قبل ذوي القربى والشامتين.

لا تشكيل الحكومة ينعش الأمل ويغرس شيئاً من الثقة، فهي كبقية الحكومات السابقة أبرز ما فيها زيادة عدد الشيوخ واستبعاد الوزير الشيخ الذي حاول تطبيق القانون بمداهمة أوكار شراء الأصوات وذمم المواطنين، مما أثار النواب المتضررين فشتموه بأقذع الألفاظ وتوعدوه بالملاحقة إذا ما أعيد توزيره فتم استبعاده مما أثار التساؤل: هل كان ذلك لانه تجرأ على تطبيق القانون أم هو إرضاء للنواب الشتامين أم مراعاتهم ام خوف منهم؟. وهو إلى حد ما يعكس نهج السلطة في إدارة شؤون البلد، نهج يعتبر موطن العلة والسبب في حالة التأزم التي نعيشها، وليس في الأشخاص. نهج السلطة هو بؤرة المشاكل والأزمات.

أما مجلس الأمة الذي جاء كافراز لمرسوم الصوت الواحد فلا يرفع التوقعات، ومن الضلال والإمعان في تضليل أنفسنا أن نتوقع منه إنجازا صحيحا. لقد ضم وجوها مقبولة لديها نوايا طيبة، لكن الغالبية نصفها على الأقل مدفوع الثمن، فهي نتاج شراء الأصوات والمعاملات والخدمات والواسطات، وفي أحسن الاحوال إفراز فئوي قبلي وطائفي واسري.

وعاد اليه المشبوهون في قضية الإيداعات المليونية والمدانون بقضايا جزائية. مرسوم الصوت الواحد لم يصدر عبثاً، فهو مصمم لكي ينتج هكذا مجلس. وقد ادي نظام الصوت الواحد إلى التفريق. فهو مجلس أفراد كل طموح بعضهم إعادة انتاج أنفسهم عن طريق الواسطات والخدمات، وهي معول لهدم النظام الإداري للدولة.

أخطر ما في المشهد السياسي، وفقاً لافتتاحية القبس، أن السلطة لا تدرك ان تراكم هذه المشاكل وزيادة الإحباط سيؤديان، إن لم يكن قد أديا فعلا، إلى اتساع الفجوة وتعميقها بين السلطة والشعب. واستمرار ذلك سيؤدي حتما إلى الانفجار، وتجارب دول الإقليم نذير بذلك.



عبد الله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0