استراحة العيد وجراح وطن



إجازة عيد الفطر المبارك، والتي بدأت يوم الخميس 8/8 وتنتهي في 8/11، فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس اجتماعياً، واستعادة الهدوء سياسياً، ومراجعة الملفات وطنياً، وترتيب الأوراق حكومياً، وتجبير الكسور برلمانياً، فالوطن يعاني جراحاً عديدة عميقة، وأخرى سطحية، ولكن جميعها نازفة بل موجعة، ما يستوجب وقف نزيفها والقضاء على آلامها.

والقيام بكل ما سبق يعني حتماً ضرورة إجراء سلسلة من العمليات الجراحية الوطنية التي ستترك معاناة وآلاماً مفاجئة ومرهقة للوطن والحكومة والبرلمان والمواطنين، ولكنها خيار لا بد منه، ليتعافى الوطن من جراحه، ويستعيد عافيته السياسية التي خلفتها سياسات خاطئة وإهمال جسيم وأنانية مفرطة وممارسات منحرفة واستهتار بالخطط المركونة وتناقضات بالتنفيذ وفشل في السيطرة على دفة العمل التنفيذي وإدارته وفساد متراكم بدراية وحماية رسمية، ومزاجية في الرقابة البرلمانية وانتقائية في التشريع قلبت فيه الأولويات رأساً على عقب، وتصفية حسابات شخصية عبر تدمير المؤسسات الرسمية، وصراع على السلطة والنفوذ اتخذ من الهدم للوطن معبراً لغاياته، فانتثرت مفاصل الوطن تفتك به الجراح الغائرة بفعل أبنائه الذين صارت إلى أياديهم مقاليد الأمور تنفيذياً وتشريعياً وربما قضائياً، فصارت مداواة جراح الوطن تلك فرضاً شرعياً وواجباً وطنياً.

والسؤال المهم، الآن، هل مكونات السلطتين التنفيذية والتشريعية مؤهلة لحمل هذه المسؤولية؟ أظن أنه على الرغم من التركيبة التقليدية للحكومة وأسلوب التفكير النمطي المهيمن عليها وخيبة الأمل الكبيرة في تشكيلها وقيادتها للسلطة التنفيذية في المراحل السابقة، فإنه بمقدورها أن تحقق اختراقاً سياسياً إن اختارت الأمور التالية: 1 - تقديم برنامج سياسي زمني للثلاثة شهور الأولى والستة الأولى والسنة الأولى، متكرر في منهجيته للسنوات الأربع المقبلة. 2 - استعادة وهيمنة مجلس الوزراء على مقاليد العمل التنفيذي بقرارات معلنة وشفافة متبوعة بحضور واضح للحكومة بوزرائها في إبرازها والدفاع عنها، لا التهرب منها والتبرؤ من اتخاذها. 3 - السير على سياسة معلنة للتضامن الحكومي لمشاريعها والتعامل مع البرلمان من دون تردد أو تعدد في السياسات والأدوار، ولا يستمر في الحكومة من لا يلتزم بذلك. 4 - استعادة ثقة المواطن بسياسة موحّدة لجميع أجهزة الحكومة في تكافؤ الفرص، منهج الثواب والعقاب يقضي على الواسطة والمحسوبية التي أنهكت المواطن والدولة. 5 - ضمان استقرار الأسرة والشباب بحل أزمة التوظيف والسكن والتعليم والبنية التحتية خلال 18 شهراً «بخطة إعادة الثقة».

وأظن أن مجلس الأمة الجديد، رغم تحكم عوامل التكوين السابقة على تركيبته ووجود عناصر مشبوهة أو مثيرة للجدل فيه، ولكنه جاء بنكهة تبعث على التفاؤل، فقد غلب على تكوينه عناصر الشباب المتحفز لإحداث نقلة وطن البناء، وغابت عنه معظم العناصر التي تقتات على الصراع بالوكالة عن الغير، وفيه وجوه جديدة غير مثقلة بترسبات الماضي وإشكالياته، وأخيراً فيه خبرات مخضرمة وجديدة يمكن أن يعيد من خلالها بناءه المؤسسي استعادة لثقة الشعب فيه، فالمواطنة مسألة جوهرية، وتعديل قانون الانتخاب والدوائر أولوية وطنية، وهنا نعول على رئاسة شابة رغم قصر خبرتها البرلمانية (6 سنوات)، فأمامها فرصة أن تعطي رسالة عن أن رحم الكويت ولاّدة ومتجددة، فتبتعد عن البكاء على الأطلال، أو محاكاة ممارسات خاطئة لرئاسات سابقة اعتماداً على سوابق منحرفة يتخذ منها أساساً لتبرير تكرار الأخطاء، أو الانحياز لتمثيل الشريحة التي هو منها، فقد صار هو ملكاً للكويتيين جميعاً، وعليه أن يثبت ذلك حماية للدستور والمشروعية، بعيداً عن المزاجية التي تورث حتماً ليس اليأس من الوطن، وإنما من الرجال الذين يتقلدون مسؤولياته، وأقول للأخ مرزوق الغانم «إياك وأن ييأس وطنك والناس منك».

هذه أمنياتنا والتهنئة التي نبعثها للسلطتين بمناسبة استراحة العيد، تضميداً لجراح الوطن.

اللهم إني بلغت،



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net

أضف تعليقك

تعليقات  0