الطاقة الشمسية تؤمِّن 18 % من حاجة الكهرباء في أوروبا

 

عندما افتتح ريكارد جورنيت مطعمه العضوي على جانب الشاطئ خارج برشلونة في عام 2007، كان مصمماً على توفير الطاقة لمطعمه بالألواح الشمسية التي كانت تدعمها آنذاك الحكومة الإسبانية بسخاء.

ولكن كان عليه أن يعيد النظر بذلك عندما رأى بطاقة الأسعار. قال جورنيت: ''نظرت إلى البطاقة وقرأت كيف وصل سعر النظام إلى نحو 60 ألف يورو، كان ذلك مكلفاً جداً''.

سحبت إسبانيا المفلسة دعم الطاقة الشمسية، ولكن جورنيت واصل العمل رغم ذلك. سبق لجورنيت أن غطى نحو نصف سقف مطعمه لاسال فيل فارادور بالألواح الشمسية. وهو يقول بعد أن أضاف نظاماً بقدرة 8.6 كيلواط بدون أي دعم من الحكومة: السبب؟ كما يقول، هو أنها ''كلفت 15 ألف يورو''.

حتى الآن، كانت الفكرة القائلة إن الطاقة الشمسية غير المدعومة يمكن أن تنافس الكهرباء التقليدية من الناحية المالية، مقصورة على عوالم الناشطين في حماية البيئة والمدافعين عن الطاقة المتجددة.

إلا أن محللين في كبريات المؤسسات المالية في العالم، يقولون إنه بسبب زيادة كفاءة الألواح الشمسية وتراجع أسعارها بصورة ضخمة، واستمرار تصاعد قيمة فواتير الطاقة المنزلية، أصبح هذا الأمل ممكناً بالفعل، ومن المرجح أن يسبب هذا التوجه اضطراباً عميقاً في صناعة الطاقة.

يقول جاسون شانيل من ''سيتي غروب'': ''نحن الآن أمام نقطة بدأ عندها الطلب يتحرك مدفوعاً بعوامل اقتصادية باردة ومتينة، وليس بتأثير الدعم، وهذا ما يغير من قواعد اللعبة''.

يقول بنك عالمي آخر، وهو ''يو بي إس'': لقد بدأت ''ثورة غير مدعومة في الطاقة الشمسية''، وستعمل هذه الثورة في النهاية على تأمين نحو 18 في المائة من حاجات الناس من الكهرباء، في عدة أجزاء من أوروبا.

وقال البنك في مذكرة بحثية: ''نعتقد أن سقف كل بيت عائلة أو مؤسسة تجارية في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، سيكون مجهزاً تقريباً بنظام للطاقة الشمسية بنهاية هذا العقد''. مثل هذه النتيجة سيكون لها تأثير هائل في صناعة الطاقة التقليدية، التي طالما اعتادت أن يكون الفحم أو الغاز أو محطات الطاقة النووية، هي المورد الوحيد لتوريد الكهرباء لزبائنها.

تأخرت صناعة الطاقة بالاعتراف بأن الآلاف من زبائنها يتحولون إلى منافسين آخرين، وكان هذا سبباً كافياً لكي تشن شركات المرافق هجوماً معاكساً؛ لأن قطاع صناعة الطاقة الشمسية في حد ذاته، يمثل هزة هائلة. ومع هذا يقول محللون إن من غير المرجح أن تختفي العوامل التي تقف خلف الاندفاع نحو الطاقة الشمسية.

تقول جيني تشيس، رئيسة قسم تحليل الطاقة الشمسية في شركة الأبحاث بلومبيرج لتمويل الطاقة الجديدة: ''هذا مهم جداً، وهو ليس مهماً فقط لمستقبل صناعة الطاقة الشمسية، ولكنه مهم أيضاً لمستقبل صناعة الطاقة. وسيسبب ذلك مشاكل لم نتخيلها أبداً''.

إحدى المشاكل الكبيرة التي تواجهها شركات المرافق العامة هي خسارتها لزبائنها في أثناء ساعات النهار، وهو الوقت الذي تجني فيه الصناعة عادة أغلب المال. وما يزيد الأمور تعقيداً، هو أن من المتوقع أن نفس هذه الشركات ستتبنى بناء وإبقاء وتشغيل محطات الطاقة اللازمة لتلبية الطلب الكلي على الطاقة.

يظهر الشعور بهذا التوتر في دول مثل ألمانيا، التي تعتبر أكبر سوق للطاقة الشمسية في العالم، لاحتوائها على نحو ثلث قدرة العالم على توليد هذه الطاقة.

وبحسب أرقام نشرتها رابطة شركات توليد الكهرباء في ألمانيا، أي بي دي إي دبليو، فقد ساهمت أنظمة الخلايا الضوئية الشمسية بنحو 5 في المائة من الكهرباء المولدة هناك، مرتفعة عن النسبة التي كانت عليها في العام الذي سبقه، وهي 3 في المائة. كما أخذت الطاقة المتجددة، بما فيها طاقة الرياح والطاقة المائية حصة تساوي 22 في المائة من طاقة التوليد في العام الماضي، بينما انخفضت حصة الغاز الطبيعي من الطاقة إلى 11 في المائة بعد أن كانت 14 في المائة.

تقول شركة إيون، وهي أكبر مرفق عام في البلاد من حيث المبيعات. إن الارتفاع في استهلاك الطاقة الخضراء المدعومة، كان أحد الأسباب التي اضطرتها لتخفيض أرباحها المستهدفة هذه السنة. وتضيف ''إيون'' أنه بسبب إعطاء الأولوية للطاقة المتجددة للدخول إلى شبكة توزيع الطاقة الألمانية، شغّلت معملاً يعمل بالغاز لمدة تسعة أيام في العام الماضي.

ويقول المحلل في بنك يو بي إس باتريك هوميل إن الاندفاع نحو الطاقة النظيفة، ومنها الطاقة الشمسية على وجه الخصوص، فاجأ شركات الطاقة: ''تجاهلت شركات المرافق العامة ببساطة موضوع الطاقة الشمسية لفترة طويلة فوق الحد. بل لم تنظر إليها في الواقع على أنها تشكل خطراً مهماً على الطريقة التقليدية لتوليد الطاقة الحرارية. بدأوا الآن بالإحساس بتأثير ذلك، وهو تأثير هائل جداً''.

معضلة شركات المرافق العامة نتيجة لم يفهمها كثيرون، إلا عندما تبيّن فيما بعد أنه تشكل جزءًا مؤثراً - وإن كان مكلفاً- في صناعة السياسة العامة.

لا تشكل الطاقة الشمسية على مستوى العالم، سوى أقل من 1 في المائة من موارد الكهرباء. ولكن أصبح نمو هذه الطاقة استثنائياً، خاصةً بسبب قوانين دعم الطاقة المتجددة، التي بدأت بإدخالها دول الاتحاد الأوروبي في التسعينيات.

وحتى قبل عشر سنوات فحسب، كان مجموع قدرة العالم بأكمله على توليد الطاقة من الخلايا الضوئية الشمسية 2.8 جيجا واط، وهو ما يساوي الطاقة التي تولدها ست من محطات الطاقة متوسطة الحجم العاملة بالفحم.

أما اليوم فتبلغ هذه الطاقة أكثر من 102 جيجا واط، بحيث أصبحت طاقة الخلايا الشمسية أكبر مصدر جديد لتوليد الطاقة الكهربائية، لسنتين على التوالي في أوروبا. وتتوقع هذه الصناعة أنه بحلول عام 2016، ستتضاعف قدرة العالم على التوليد لتصل إلى 200 جيجاواط.

تراجع بناء منشآت الطاقة الشمسية في العام الماضي في أوروبا، في أعقاب أزمة منطقة اليورو، ولكنها تقدمت في أماكن أخرى، خاصة في الصين، وسط تراجع مذهل في الأسعار.

عندما جاءت الألواح الشمسية التي تحول طاقة الشمس إلى كهرباء إلى الأسواق في سبعينيات القرن الماضي، كان سعر الواط الواحد المنتج منها أكثر من 70 دولاراً، بأسعار عام 2012. أما اليوم، فيكلف الواط أقل من 80 سنتاً، حيث انخفضت الأسعار بنسبة 80 في المائة في السنوات الخمس الماضية وحدها، حسب بلومبيرج نيو إنيرجي فاينانس. ويقول إدي أوكونور، وهو رجل صناعة مخضرم، ومؤسس شركة مين ستريم رينيوابل باور في أيرلندا: ''لم أر من قبل مثل هذا التحطيم لهيكل في الأسعار''.

كان أحد أسباب هبوط الأسعار، التخمة في العرض التي نتجت عن زيادة أصحاب الصناعة للإنتاج حول العالم، للوفاء بالطلب الذي نتج عن الدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي. ومؤخراً، أدى فيض من الألواح الشمسية الصينية رخيصة الثمن، المدعومة من الحكومة الصينية، إلى المزيد من الهبوط في الأسعار.

كما عمل نمو السوق على التسريع من منحنى التعلم الصناعي، الذي أدى إلى تخفيض تكاليف بناء المعامل الشمسية وزيادة فاعليتها بطريقة شبهها البعض بقانون مور، وهو القانون الذي وضعه جوردون مور، مؤسس شركة إنتل في عام 1965، الذي توقع فيه أن صناعة الإلكترونيات يمكن أن تضاعف من عدد الترانزيستورات في كل شريحة، كل سنتين تقريباً.

هذه التطورات مهمة، رغم أنها طُمِست بموجة من حالات الإفلاس التي هزت الصناعة، من الولايات المتحدة إلى أوروبا، والآن في الصين كذلك.

شركة صنتيك الصينية، وهي واحدة من كبريات الشركات في العالم لصناعة الألواح الشمسية، وتبلغ قيمتها السوقية 16 مليار دولار، تقدمت بطلب لإشهار إفلاسها في آذار (مارس)، ومن المتوقع أن تتبعها شركات أخرى. والواقع أن مشهد الطاقة الشمسية يبدو فوضوياً إلى درجة أن من الصعب أن نتخيل أنه يشكل تهديداً لأي جهة، ناهيك عن صناعة الكهرباء التقليدية، التي تعدّ أكبر حجماً منها بكثير.

يقول آش شارما، وهو مدير أول لأبحاث الطاقة الشمسية في شركة الأبحاث آي إتش إس، إن المظاهر يمكن أن تكون خادعة. وقال: ''لا تزال الصناعة الشمسية تعاني مشاكل النمو. إنها تبدو فوضوية، لكن الصناعة لا تزال في مهدها. من المتوقع أن نشاهد هزات كهذه. وسنرى المزيد من الشركات تعلن إفلاسها، والمزيد من الاندماج، ومن ثم العودة إلى أوقات صحية''.

حتى الآن، من المحتمل أن عدد الأنظمة الشمسية غير المدعومة على مستوى العالم يبلغ عدداً قليلاً من الآلاف، تشكل أقل من 0.1 في المائة من المنشآت الشمسية العالمية، كما يقول، لكن من المتوقع أن تنمو بسرعة وتواصل التكاليف الهبوط.

تتنوع الأسعار تنوعاً كبيراً بحسب الموقع، لكن في أوروبا يراوح متوسط تكلفة الكهرباء التي يتم توليدها بأنظمة خلايا ضوئية شمسية منزلية بين 151 - 275 يورو/ميجا واط ساعة؛ أي أكثر من ضعف التكلفة من المعامل الجديدة التي تعمل بالطاقة النووية أو الغاز أو محطات الرياح، وفقاً لبيانات شركة آي إتش إس.

لكن أنظمة الخلايا الضوئية رخيصة الآن إلى حد كبير على نحو يجعلها معقولة في بلد ترتفع فيه تعرفة الكهرباء – حتى في البلدان التي لا توجد فيها أشعة شمس كثيرة وتقلص الدعم، مثل ألمانيا. تقول شركة أبحاث السوق آي إتش إس، إن فترة حياة طاقة الخلايا الضوئية الشمسية، انخفضت إلى ما دون أسعار الكهرباء الصناعية في ألمانيا العام الماضي، ما جعل تركيب واستخدام الطاقة الشمسية أرخص بالنسبة للشركات، من شرائها من المرافق العامة. وحيث إن هذا هو ما تفعله بالضبط بعض الشركات، فإنه يفسر استمرار التفاؤل، حتى ممن تلقّوا أسوأ الضربات من محن الصناعة.

أحدث الأعمال التي فشلت أخيرا في مجال أعمال الطاقة في أوروبا، هي كونيرجي لصناعة وتطوير الخلايا الشمسية في هامبورج، وهي الشركة التي قدمت طلباً في الشهر الماضي لإعلان إفلاسها.

تقول شركة كونيرجي إن الألواح الشمسية التي ركبتها لمطعم جورنيت في إسبانيا، كانت ضمن 56 نظاماً شمسياً غير مدعوم ركبتنه في إسبانيا، إضافة لأنظمة أخرى ركّبتها في أستراليا وجنوب إفريقيا. وقالت متحدثة باسم الشركة إنها تتوقع أن يستمر العمل الآن، لأن مستثمراً أمريكياً يستعد لشراء أغلب أعمال الشركة، ولكن ليس أقسام صناعة الألواح الشمسية، التي تصارع لأجل إبقائها.

وإلى الجنوب في فرايبورج، تطور شركة سولارستروم إس إى جي الألمانية التي يبلغ عمرها 15 عاماً، عدة مشاريع شمسية غير مدعومة، منها المشروع الضخم الذي تبلغ طاقته 440 ميجا واط، في إكستريماديورا في غربي إسبانيا. يقول كارل كوهلمان، الرئيس التنفيذي للشركة: ''يعتقد الناس أن الخلايا الضوئية الشمسية ممكنة فقط مع الدعم، وهذا خاطئ تماماً، نحن سعداء بانتقال الصناعة إلى مرحلة عدم الدعم، فهذا ما يبسط الأمور، ويحسنها ويجعلها مستقلة كلياً عن السياسيين''.

هذا ليس صحيحاً تماماً، فأثر الألواح الشمسية الصينية الرخيصة على صانعي هذه الألواح في الغرب، أثار توترات سياسية، مع ما يصاحب ذلك من خلافات حول فرض رسوم عقابية، في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، على الواردات الصينية من تلك الألواح.

يقول محللون إن من غير المرجح أن يكون التأثير في أسعار الألواح الشمسية كبيراً أو يستمر طويلاً، مشيرين إلى أن فترة الهدنة التي وافقت عليها بروكسل مع بكين في الشهر الماضي، كانت في صالح الصين، بحيث دفعت بائتلاف المصنعين الأوروبيين ''بروصان''، إلى التهديد بمقاضاة المفوضية الأوروبية.

التهديد المباشر الناتج من صناعة الطاقة الشمسية غير المدعومة، ربما يكون أقرب إلى أوروبا من الصين. في الشهر الماضي، في الولايات المتحدة، طلبت أكبر شركات المرافق العامة في ولاية إريزونا، وهي آي بي إس، من المنظمين النظر في فرض رسوم على الناس الذين يركبون أنظمة شمسية على أسطح منازلهم، للمساعدة على خفض كلفة شبكة توزيع الكهرباء، التي ما زالوا يستخدمونها ''في الأساس مجاناً''.

وقد صرح متحدث باسم الشركة: ''تزداد تعرفة استهلاك الكهرباء أكثر من ذي قبل على الزبائن الذين لا يستخدمون الطاقة الشمسية، بسبب الأعداد المتزايدة للزبائن الذي يركبون أنظمة شمسية. وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة حل المشكلة''. وهناك مرافق أخرى في الولايات المتحدة ترغب في اتخاذ إجراءات مماثلة، وهو ما يثير غضب شركات الطاقة الشمسية.

انطلقت صيحة غضب أخرى في إسبانيا، ثالث أكبر سوق للطاقة الشمسية في أوروبا بعد ألمانيا وإيطاليا، حيث قدمت الحكومة هناك أيضاً اقتراحاً بفرص رسوم جديدة على مالكي الألواح الشمسية المركبة على أسطح منازلهم.

يقول جورنيت: ''هذا حقاً جنون، إنهم يريدون أن أدفع مقابل الكهرباء التي آخذها من الألواح الشمسية التي أملكها، هذا غير معقول''.

تجادل الحكومة الإسبانية بقولها إن الرسوم عادلة، وستساعد على مراقبة نمو الطاقة الشمسية، في وقت فاقت فيه القدرة الكلية للكهرباء في إسبانيا الحاجة إليها في أوقات الذروة.

قالت شركة إيبيردورلا، وهي أكبر شركة مرافق للكهرباء من حيث المبيعات في إسبانيا، إنها لم تطالب بفرض رسوم جديدة، ولكنها تعتقد أن دعم الطاقة الشمسية الذي كان في يوم ما سخياً، تسبب في ظهور ''فقاعة'' من النمو الذي يصعب السيطرة عليه في الطاقة الشمسية. وأضاف المتحدث باسم الشركة: ''هذا يعني من الناحية الفعلية أن الناس الذين يستخدمون الألواح الشمسية لم يساهموا بصورة عادلة في صيانة الشبكة الكهربائية التي يستفيد الجميع منها، ولذلك كان ذلك القرار، من وجهة النظر هذه، قراراً منطقياً وعادلاً''.

ما زال على منظمي هذه الصناعة أن يقرروا ما إذا كان على شركات المرافق أن تحصل على ما تريد. ومع ذلك، ما يبدو مؤكداً، هو أن الاندفاع نحو الطاقة الشمسية سيغيّر من أسواق الطاقة بطريقة بدأنا لتونا فهمها.

أضف تعليقك

تعليقات  0