الأجانب يتملكون 75 % من العقارات الجديدة في لندن


أظهرت دراسة بريطانية حديثة أن معظم العقارات الجديدة في وسط العاصمة لندن تباع لمشترين من خارج المملكة المتحدة.

فعبر سلسلة من الإعلانات المكثفة خارج بريطانيا، يتم جذب مستثمرين من كافة أنحاء العالم للاستثمار في شراء منازل في عاصمة الضباب، بل إنه بفضل تلك الحملات الإعلانية فإن هذه المنازل تكون معروضة للبيع لمستثمرين من خارج بريطانيا قبل أن يكون لدى المواطن المقيم في المملكة المتحدة أي دراية بها.

تشير مجموعة نايت فرانك العقارية إحدى أكبر المجموعات العقارية البريطانية، إلى أن المشترين الأجانب مثلوا هذا العام 75 في المائة من ملاك العقارات الجديدة في وسط العاصمة البريطانية، بينما كانت نسبتهم في العام الماضي لا تتجاوز 27 في المائة.

وأكثر من نصف الوحدات السكانية الجديدة بيعت لمشترين من سنغافورة وهونج كونج والصين وماليزيا.

ويعتقد بعض رجال الأعمال في مجال العقارات في بريطانيا، أن سوق العقارات في وسط العاصمة تشهد تحولا، أبرز ملامحه تكمن في أن المشترين التقليديين وهم من الأثرياء البريطانيين، ينسحبون لمصلحة المشترين الأجانب، وهو ما يتناقض مع السياسات الرسمية المعلنة من قبل حكومة التحالف الحاكم بجعل السكن في لندن متاحا بدرجة أكبر للطبقة المتوسطة البريطانية.

يقول ريتشارد دين مدير إدارة المبيعات في شركة أندروا ريف البريطانية للعقارات: إن ظاهرة بيع العقارات خاصة المنازل الجديدة في وسط لندن للأجانب خاصة من البلدان الآسيوية لها أسبابها، ويفسرها بالقول: ''لا يوجد في ثقافة شراء العقارات في بريطانيا مسألة شراء وحدات سكانية قبل الإنشاء، وأعني قبل الشروع في البناء أو عندما يكون المشروع مجرد فكرة ورسوم هندسية على الخريطة.

اقتناء العقار في بريطانيا يتم في الأساس عبر التمويل العقاري من البنك، وفي ظل الأزمة المالية الراهنة فإن اقتراض شركات البناء من المصارف يحيط به عديد من الصعوبات، والشركات لا تتوافر لديها السيولة المالية التي تمكنها من إتمام عملية بناء المشروع ثم عرضه للبيع''، ويضيف: ''على الخلاف من ذلك فإن ثقافة شراء العقارات في البلدان الآسيوية تعتمد على شراء المنزل أو العقار وهو مجرد رسم هندسي، ولهذا نلاحظ أن الشركات العقارية البريطانية تقوم بالمشاركة بقوة في معارض الإسكان التي تقام في البلدان الآسيوية مثل هونج كونج وسنغافورة وماليزيا ودبي، وتقوم ببيع هذه المنازل قبل الشروع في الإنشاء مقابل خصومات محددة للعملاء، ما يمكنها من توفير السيولة اللازمة لانطلاق المشروع''.

هذا التوجه من قبل شركات العقارات والبناء البريطانية بعرض ما تقوم بتشييده من مساكن للبيع خارج بريطانيا قبل طرحها على المستهلكين المحليين، أثار حفيظة عدد من كبار السياسيين في مقدمتهم سيمون هيوز نائب زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين الشريك في التحالف الحاكم في 10 داوننج ستريت.

وقد صرح هيوز لوسائل الإعلام البريطانية: ''إن هذا النمط من عمليات البيع سيؤدي إلى تشويه سوق العقارات ورفع الأسعار بالنسبة للمستهلك المحلي، الذي سيفتقد القدرة المالية على منافسة المستثمرين الأجانب''.

إلا أن أصحاب شركات المقاولات والبناء أعربوا عن رفضهم لموقف حزب الليبراليين الديمقراطيين، معتبرين ما يقومون به هو الوسيلة المثلى للنهوض بسوق العقارات من الكبوة التي لحقت به جراء الأزمة المالية.

ويعلق راسال دين صاحب شركة ''B &D'' وهي إحدى كبرى شركات المقاولات البريطانية قائلا: ''بدون ما نقوم به الآن من طرح ما نشيده من وحدات سكانية للبيع خارج بريطانيا فإن سوق العقارات يمكن أن تنهار، بدون الحصول على تعهدات ـ ومقدمات مالية ـ بأن السوق ستستوعب ما سنقوم ببنائه فلن يمكننا المضي قدما، فمن من شركات المقاولات يمكنه أن يغامر بنحو 100 مليون جنيه استرليني من أمواله الخاصة لتشييد مجمع سكني دون أن يكون قد قام بعمليات بيع مقدما لما سيتم إنشاؤه''، ويضيف: ''عندما أقوم بالمشاركة في أحد المعارض العقارية في سنغافورة أو ماليزيا أو دبي فإن تكلفة ذلك تبلغ نحو 150 ألف جنيه استرليني في المتوسط، ولكن ما أعرضه من مبان أو شقق سكانية يتم شراؤها ـ وهي مجرد رسوم بعد ـ خلال 48 ساعة، ولكن هنا في لندن فإنه يجب الانتهاء من عملية البناء ثم الانتظار عدة أسابيع حتى أستطيع التخلص من معظم الوحدات المشيدة''.

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد المنازل التي شيدت في لندن العام الماضي بلغت 18000 وحدة سكنية أي ما يوازي 15 في المائة من إجمالي الوحدات التي أنشئت في المملكة المتحدة خلال نفس العام، ويقدر المختصون أن هذه النسبة يمكن أن تتراجع بنحو 40 في المائة إذا توقفت شركات المقاولات عن عرض ما تقوم بتشييده للبيع على المستثمرين الأجانب.

ويرفض المهندس المعماري ماك لين الاتهامات بأن عرض الوحدات السكنية للبيع خارج المملكة المتحدة يؤدي لارتفاع أسعار العقارات في لندن، ويقول لـ ''الاقتصادية'': ''هذه مزاعم يروج لها اليسار البريطاني، الأمر باختصار أن أسعار العقارات في بريطانيا مرتفعة، لأن العرض أقل من الطلب بكثير، وليس لأي سبب آخر''، ويضيف: ''لا أفهم توجهات الحكومة، فرئيس الوزراء يجوب العالم أجمع داعيا الجميع للقدوم والاستثمار في لندن، ثم تعترض الحكومة عندما يقوم مستثمر بشراء شقة أو منزل في لندن، هذا سلوك متناقض وغير مفهوم''.

تشير تقديرات العاملين في مجال بيع وشراء الوحدات السكنية إلى أن المستثمرين الأجانب ضخوا خلال العام الماضي ما قيمته 3 مليارات جنيه استرليني لشراء وحدات سكانية في لندن.

الجديد بخلاف التوقعات فإن بيانات المشترين تكشف أنهم لا ينتمون إلى فئة المليونيرات الذين يقتنون وحدات سكانية فاخرة في العاصمة البريطانية ويستخدمونها فقط في العطلات بينما يقطنون بلدا آخر.

وإنما تظهر عملية تحليل بيانات المشترين الأجانب أن السواد الأعظم منهم يعتبر شراء وحدة سكنية في لندن شكلا من أشكال الاستثمار المحقق لعائد شهري ملموس يسمح له بتحسين مستوى معيشته.

ويقول أدم تشليز من مؤسسة جي إل إل للأبحاث التي أجرت دراسة تفصيلية حول المشترين الأجانب للعقارات في لندن يقول : ''85 في المائة من المستثمرين الأجانب يشترون عقارات تراوح قيمتها بين 400 ألف ـ 600 ألف جنيه استرليني ثم يقومون بتأجيرها، وهم في الحقيقة ينتمون إلى فئة الطبقة المتوسطة وليس المليونيرات.

ويضيف : ''وفقا لإحصائيات الهيئات الرسمية البريطانية فإنه بيع في لندن 77 منزلا فقط في شهر يناير الماضي تجاوزت قيمة المنزل مليوني استرليني، اشترى المستثمرون الأجانب نحو 40 منزلا منهم، وبناء على ذلك أعتقد أنه من المبالغة تحميل المستثمرين الأجانب مسؤولية ارتفاع أسعار العقارات في لندن''.

وكانت البيانات الحكومية قد كشفت أن سوق العقار في بريطانيا تشهد تحسنا ملحوظا في الآونة الأخيرة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الازدهار التام.

ففي شهر يوليو الماضي بلغت عمليات البناء والتشييد أعلى مستوى لها خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية , كما ارتفعت أسعار السكن خلال الفترة من يوليو 2012 إلى يوليو 2013 بنحو 3.9 في المائة، وهي أعلى معدل منذ أغسطس 2010، حيث بلغ متوسط سعر المنزل في بريطانيا نحو 170.825 جنيها استرلينيا (260.098 دولارا أمريكيا).

وعلى الرغم من ذلك فإن المختصين يشيرون إلى أن تلك الزيادة تعد متواضعة في ظل الارتفاعات المستقبلية المتوقعة.

ويعلق روبرت جريندر رئيس وحدة الأبحاث العقارية في بنك ''نشين وايد'' قائلا: ''الوضع العقاري يتحسن، وإن كنا لا نزال أقل بنحو 10 في المائة من أعلى مستوى حققته العقارات البريطانية في تاريخها في عام 2007، ولكن هناك عدد من العوامل يشير إلى أن الوضع سيتحسن خلال الفترة المقبلة، أبرزها أولا: استمرار اختلال المعادلة الراهنة بين العرض والطلب لمصلحة زيادة الطلب وانخفاض العرض، خاصة مع دخول المستثمرين الأجانب للاستثمار بكثافة في السوق المحلية، ثانيا: السياسات الحكومية، فبالتزامن مع برنامج التيسير الكمي الذي تتبناه الحكومة فإن هناك مشاريع رسمية للإقراض السكني، ورصدت لها الحكومة مبلغ 5.4 مليار استرليني، وتعتمد على تقاسم ملكية الوحدة السكنية بين الدولة والمالك شريطة أن تكون المرة الأولى للمشتري الذي يقتني فيها وحدة سكنية، وهو ما يسهل على الشباب والمتزوجين حديثا اقتناء منزل''.

أضف تعليقك

تعليقات  0