عن الحرية..


عندما نتحدث عن تعريف الحرية لابد ان نرجع بقراءة تاريخية لتعريفات مختلف الحضارات لها كفكرة ومفهوم، فالمفاهيم كثيرا ما تنحرف وتتحور عبر حقب التاريخ وفتراته المختلفة.

عند الإغريق وفي فترة مبكرة، ما الذي كانت تعنيه كلمة حر؟، لقد كان الحر في تلك الفترة هو الذي يعيش بين أهله، وإن عاش خارج أهله انتفت عنه صفة الحرية، بعد ذلك أصبحت الحرية هي التضاد بين الطبيعة والقانون فكلما سار الانسان مع الطبيعة فهو حر وكلما سار مع القانون فهو لم يعد حراً.

عند سقراط الحرية تعني فعل الأفضل، بعد ذلك تكلم عدد من الكتاب المسيحيين عن الحرية وربطوها بفعل الخطيئة، فقبل فعل الخطيئة أنت حر وبعد فعل الخطيئة تنتفي عنك الحرية، وفي تلك الفترة أصبح هناك سيطرة للكنيسة حتى على المفكرين، ولذلك أصبح طرح المفكر عبارة عن طرح ديني أكثر منه طرحاً فكريا.

في العهد الإسلامي بدأ يتغير مفهوم الحرية، وجاءت قضية التسيير والتخيير في الحرية وجاء القدريون والجبريون والمعتزلة وغيرهم.

في تلك الفترة هناك من بالغ في الحرية وهناك من قيد الحرية تقييدا كبيرا، كما ان هناك من نادى بالحرية المطلقة وجاء من نادى بالحرية المقيدة، والذين نادوا بالحرية المطلقة حددوها بأنها الحرية المقيدة بالأخلاقيات.

الكتاب الحديثون كهيجل تكلموا عن تعريف الحرية ونشأت عدة مذاهب، لأن هؤلاء الكتاب انطلقوا من رؤاهم الشخصية والعلمية ومن انتمائهم الديني، في حين ان شوبنهاور الألماني نظر لها بطريقة خاصة، وسارتر الوجودي أضاف لها نكهة من وجوديته.

من الناحية الطبيعية نحن أحرار لكن لسنا بأحرار، فنحن لم نحدد وقت الولادة ولا نحدد وقت الموت، اذاً كيف أكون حرا وعبدا في نفس الوقت؟ ان الحرية المقيدة هي الحرية الممنهجة المرتبطة بمفهوم العبودية الحقة، فالعبودية القصرية تختلف عن العبودية الحقة أو العبودية الانتقائية، فأنا أعبدالله سبحانه وتعالى لأني مقتنع بربوبيته ومقتنع بمكانته ومقتنع بحقه على في العبادة وهذه هي العبودية الحقة.

ومع ان الإسلام يعتبر كمال حرية الانسان تتحقق في عبادته لله لأنه المستحق للعبادة والرب العادل الخالق والمصرف للكون الذي يعتبر الانسان ذرة بين مخلوقاته العظيمة، مع ذلك لم يكره الإسلام الناس على اعتناقه وترك لهم حرية المعتقد وكفلها كذلك: (لا اكراه في الدين)..

تتنوع الحرية وتتشكل بأشكال عديدة ومن أعظم أشكالها الحرية النفسية، ان الحرية النفسية عندما تتحقق تكون النفس حرة في التعبير عن رؤاها وانتمائها النفسي وما يعجبها وما لا يعجبها، فالحرية النفسية هي القائد لكل الحريات المختلفة وهي مفهوم ثوري، ليس في ثورته على غيره بل في الثورة على الخطأ والثورة على الركود في مختلف الجوانب الحياتية للانسان، ونحن هنا لا نقصد التحرر والفوضى والتصادم، لذلك فان تحرير مفهوم الحرية من الدنس الذي علق به أمر ضروري، ومن الواجب ان يتفق الناس على هذا المفهوم حتى يستطيعوا ان يتشاركوا فيه.

هناك أيضا الحرية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن يجب ان تتناسق الحريات مع بعضها، يجب ان أتحرك في المحيط الذي لا أطأ فيه حرية غيري ولا أدنسها، اذا حققنا هذا الشيء حافظنا على حريات الآخرين وحافظنا على الضوابط والقواعد الاخلاقية والحياتية والدينية.

ان الحرية التي يجب ان نسعى اليها هي الحرية المسؤولة التي يكون فيها الفرد مسؤولا عن نتائج تصرفاته ومنضبطا بالأخلاق والمبادئ لا بالضوابط المجتمعية المقيتة، انما الضوابط المجتمعية الراقية.

لقد تعرض مصطلح الحرية للتدنيس في ذهن المتلقي لأنه مسكون بمعان سلبية وله ظل غربي، ان الحرية الحديثة في الغرب جاءت بعد سيطرة الكنيسة على جميع تفاصيل الحياة وتقييدها، فجاءت الحرية ضد الدين جملة وتفصيلا، ولذلك تجد اليمين هو الأقل في المجتمع الغربي والعلمانية هي الأكثر، لكن عبر قرون من الحضارة الإسلامية لم تكن الحرية يوما متعارضة مع روح الإسلام وصفاء المحمدية السمحة، على الرغم من وجود بعض التطبيقات الدينية والسياسية التي قيدت هذا الانفتاح في مراحل عدة من التاريخ.


أ.د.طارق الحبيب

بروفسور واستشاري الطب النفسي

الأمين العام المساعد لاتحاد الأطباء النفسيين العرب

Twitter: @Talhabeeb
أضف تعليقك

تعليقات  0