ثقافة الدم!


تبقى الجذور الفكرية والمفاهيم الثقافية وفلسفة الحكم لدى التيارات السياسية العربية المختلفة غارقة في وحل التطرف والعنف، وقد يكون لغياب أسس التداول السلمي للسلطة ومفاهيم التعددية السياسية ونماذج الحكم الدكتاتوري الأثر الكبير في توجيه العمل السياسي نحو التطرف، وبناء الكوادر المقاتلة بدلاً من تنشئة قيادات سياسية.

ثقافة القتل وإراقة الدماء والحوار بالسلاح هي اللغة التي باتت سائدة في المسرح العربي خلال الحراك السياسي العنيف، بدءاً بانطلاقة أحداث الربيع العربي مروراً بالمرحلة الانتقالية الراهنة مع بقاء الكثير من الاحتمالات الدموية القائمة في المستقبل.

والطبيعة الدموية لهذا المشهد القائم نابعة في رأيي من عاملين أساسيين: أولهما ثقافة الإقصاء وادعاء "القيمومة" على الناس لدى السلطة الحاكمة في العديد من الدول العربية من جهة، وكذلك القوى والجماعات السياسية الساعية إلى الاستحواذ والقفز على السلطة لا سيما التيارات الدينية من جهة أخرى.

ويكمن العامل الآخر في ثقافة العنف، وعدم التورع في سفك الدماء وبكل أشكال الوحشية والهمجية أيضاً لدواعٍ عقائدية، وما بات يعرف بمفاهيم التكفير وغيره من المصطلحات التي تهدف إلى تغليف شرعنة القتل والتصفية للخصوم.

أما آلة القتل فهي متاحة للجانبين، أي السلطة ومعارضيها، وإن تغيرت مواقعهم كما شاهدنا خلال السنوات القليلة الماضية، والتي بلغت أوجها فيما يجري في سورية وليبيا ولبنان وتونس واليمن وأخيراً مصر، حيث رأينا أن المعتصمين الموالين لجماعة "الإخوان المسلمين" يحملون كل أنواع الأسلحة ويواجهون بها قوات الأمن ويحرقون المباني والسيارات، وإن تفاوتت موازين القوة هذه أمام آلة القتل الحكومية الساحقة.

ولكن في كل هذه الأحوال تبقى الجذور الفكرية والمفاهيم الثقافية وفلسفة الحكم لدى مختلف التيارات السياسية العربية غارقة في وحل التطرف والعنف، وقد يكون لغياب أسس التداول السلمي للسلطة ومفاهيم التعددية السياسية ونماذج الحكم الدكتاتوري الأثر الكبير في توجيه العمل السياسي نحو التطرف، وبناء الكوادر المقاتلة بدلاً من تنشئة قيادات سياسية، وإقامة مشاريع دولة بدلاً من روح الانتقام بمجرد الوصول إلى رقاب المسؤولين السابقين.

ويبقى السر في وجود الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي تغذي مختلف الأطراف بالسلاح والدعم السياسي والأبواق الإعلامية لتنفجر معها أيضاً القلوب والنفوس بالأحقاد والتعبئة والتحريض؛ في حين تستنزف الموارد البشرية وتدمّر خيرات هذه البلاد و"تتطربق" الدنيا على رؤوس الجميع!

هذه حال شعوبنا العربية مع الأسف، ومصر هي البداية فقط!
أضف تعليقك

تعليقات  0