ما قل ودل: فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة» كان التزاماً بمسؤوليات الدولة


يقع الغرب في خطأ شديد حتى يتعامل مع اعتصامي "رابعة العدوية" و"النهضة" في مصر، وفض الاعتصامين الذي جرى يوم الأربعاء الماضي، والذي أسفر عن إراقة دماء هي أغلى بكثير من كرسي الرئاسة الذي اعتصم به محمد مرسي، حين قرر في خطابه الأخير أنه يفتدي هذا الكرسي بحياته.

الاعتصامات الناعمة في الغرب: والخطأ الكبير الذي وقع فيه الغرب، أن اعتصامي "رابعة" و"النهضة"، ليسا من نوع الاعتصامات الناعمة التي تجري في بلادهم، والتي يتم فضها بالقوة أيضاً ولكن دون أن تراق نقطة دم واحدة، فشتان بين الثرى والثريا.

إن المعتصمين في الغرب يفترشون الأرض، وتأتي الشرطة لتفض الاعتصام بالقوة، عندما عترض هذا الاعتصام حركة السير أو يخل بحرية الآخرين وحقهم في الأمن والسكينة، وهي القوة الناعمة عندما يحمل اثنان أو ثلاثة من الشرطة الفتى أو الفتاة المعتصمة من يديها وقدميها، لينضما إلى زملائهما في سيارات الشرطة المتراصة، حيث يتم الإفراج عن الجميع فور فض الاعتصام.

النظام العام: التظاهر حق والاعتصام حق في الغرب، ولكن لكل حق عندهم بداية ونهاية، والنهاية الطبيعية لاستخدام أي حق عندما يتعارض استخدامه مع استخدام الآخرين لحرياتهم وحقوقهم، وأولى هذه الحريات والحقوق، الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة، وهي المدلولات الثلاثة للنظام العام، الذي هو أحد أركان الدولة، ومظهر هيبتها، وأساس بقائها واستقرارها وقوتها.

فلا أحد في الغرب يسمح لكائن من كان في تظاهرة أو اعتصام أن يخل بالنظام العام في أحد مدلولاته الثلاثة الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة، وأياً كانت الدوافع النبيلة أو الأهداف العظيمة التي تتبناها هذه التظاهرات والاعتصامات، لأن حرية التظاهر والاعتصام تنتهي حين تتعارض واستخدام الآخرين لحقوقهم وحرياتهم.
ومن الجدير بالذكر أن المادة (49) من دستور الكويت تنص على أن احترام النظام العام واجب على كل مواطن.

انتهاك النظام العام في «رابعة» و«النهضة»: لا أحد يستطيع أن ينكر أن انتهاكاً جسيماً لحقوق وحريات المواطنين قد جرى في اعتصامي "رابعة" و"النهضة"، وقد استمر لمدة قاربت الخمسين يوماً منذ بدأ اعتصام رابعة في 28 يونيو، فقد أغلقت ثلاثة طرق رئيسية أمام المارة وهي شوارع الطيران ويوسف عباس والنصر وتفتيش الداخل

والخارج إليها، وشل مرافق الدولة الموجودة بها، وإغلاق 4 هيئات حكومية تؤدي إليها هذه الطرق، بالإضافة إلى احتلال مستشفى ومدرستين، وإغلاق عشرات المحلات، إلى أن 2000 أسرة مقيمة بمنطقة رابعة باتت رهينة هذا الاعتصام، وهي مجبرة على استضافة المعتصمين الذين يطرقون أبوابها للاستحمام أو لقضاء حاجة، بعد أن ضاقت دورة مياه مسجد رابعة ودورات المياه التي أقاموها في عرض الطريق بالمعتصمين، فضلاً عن حالات التعذيب التي كان يمارسها المعتصمون داخل الخيام المنتشرة برابعة

في حق كل من يشتبه فيه من الداخلين إلى مقر الاعتصام أو المارين بجواره وهو تعذيب وصل في بعض الحالات إلى الموت، وأقام المعتصمون داخل "رابعة" حكماً ذاتياً، تبتر فيه الأصابع، ويحتجز فيه المختطفون من أنصار ثورة 30 يونيو، ومن بينهم طفل بترت أصابعه لأنه كان يحمل صورة الفريق أول عبدالفتاح السيسي.

فضلاً عن استخدام الأطفال اليتامى الذين كانت تأتي بهم الجمعيات الخيرية التابعة للجماعة، كدروع بشرية، بما يعتبر انتهاكاً لحقوق الأطفال، وقد انتهكت السكينة العامة بمكبرات الصوت التي كانت تلقى من خلالها الخطب التي تهدد السلطة والدولة ببحور وحمامات من الدم، والألعاب النارية التي كانت تستمر حتى ساعة متأخرة من الليل.
وفي "ميدان النهضة" استخدموا حديقة الأورمان مكاناً لحجز المواطنين وتعذيبهم، إضافة إلى أن شهادات الأهالي أكدت قيام "الإخوان" بربط المعارضين لهم في الأشجار والتعدي عليهم بكل الأشكال حتى الموت.

وعثرت أجهزة الأمن بداخل حديقة الأورمان على جثتين لشابين وآخرين في غيبوبة جراء عمليات التعذيب الشديدة التي تعرضوا لها وكانوا على الأرض مقيدي الأيدي والأقدام بالحبال.

ومن المعلوم أنه قبل فض الاعتصام بيومين أعلن أحد رموزهم، صفوت حجازي، أنه لا سلمية بعد اليوم.

فض الاعتصام: لو حدث هذا في أحد ميادين عاصمة النور باريس او في أحد ميادين كوبنهاغن عاصمة الدنمارك أو في نيويورك أو في إسطنبول أو في الدوحة أو في برلين، هل كانت دولة من هذه الدول سوف تتقاعس عن القيام بمسؤولياتها في إعادة الأمن والنظام إلى ربوعها، مهما كلفها ذلك من أرواح وإراقة دماء.

إن ما يقرب من خمسين يوماً قد مضت على هذا الاعتصام، وأن جهوداً كبيرة قد بذلت لاحتواء الأزمة السياسية والدستورية التي فجرها هذا الاعتصام، ومن بينها جهود دولية وخارجية، قبلتها مصر على مضض، بالرغم من أنها تمثل انتهاكاً لسيادتها وتدخلاً في الشأن الداخلي، ومن بينها جهود داخلية لقوى سياسية ومدنية، ومنها الدعوة

التي وجهها شيخ الجامع الأزهر إلى كل هذه القوى وإلى جماعة "الإخوان المسلمين" للمصالحة. إن فشل كل هذه الجهود قد ألزم الدولة بواجباتها ومسؤولياتها في فض هذا الاعتصام الذي تراخى طويلاً وأن سبعة وأربعين شرطياً استشهدوا وهم يؤدون واجبهم وبعضهم في مقار عملهم، بل مثل بجثثهم.

وللحديث بقية إن كان فى العمر بقية.

أضف تعليقك

تعليقات  0