من الفرات إلى النيل حلم أم مخطط؟


«من الفرات إلى النيل حدودك يا اسرائيل»، هذه العبارة الشهيرة التي تضمنتها وثائق حكماء صهيون والتي تم تعليقها في الدولة الصهيونية، طالما كنت أتصورها ضربا من الخيال والأحلام التي لا واقعية فيها، إلا أن الحقيقة التي ينبغي أن نعي خطورتها ونقر بها نحن العرب والمسلمين هي أن دولة اسرائيل بدأت بوعد بلفور عام 1917، ثم سرعان ما أصبحت كيان دولة عام 1936، ثم تم توسعتها عام 1948، وتوسعت بصورة أكبر بعد حرب 1967، حيث استولت اسرائيل على سيناء المصرية والجولان السورية، ثم ترسخت رقعتها الجغرافية بعد حرب 1973، التي يدعي العرب الانتصار فيها.

ولم يكن بمقدور دولة الصهاينة المحتلة أن تتمركز ويتوسع كيانها على مدى 37 عاما من 1936 وحتى 1973، ويستقر بها المقام وتزداد فيها المستوطنات لو لم تكن الأنظمة العربية متواطئة معها، وتسهل الأمور عليها بزعامات قومية عروبية يسارية متخاذلة، تخذل الشعوب عن الصمود والمقاومة والجهاد وتبرر سياسات السلام وتروج لها، وتتسلح بأحدث الأسلحة المتطورة وتنفق المليارات على التسلح لا لتقاتل اسرائيل ولا لتواجه عدوا، بل ليستخدمه بعضها ضد بعض أو لغزو بعضها، بل ولمواجهة شعوبها وتصفية المعارضين أو المختلفين معها فكريا، وقد كانت وما زالت التيارات اليسارية والليبرالية هي من يحكم في الدول العربية، أو هي من بيدها مقاليد الحكم فيها بمختلف مسميات وتصنيفات هذه التيارات الشاطرة في الخطاب السياسي، والظاهرة في الطرح الإعلامي، المتفذلكة في التحريض والتحالف مع الأنظمة، لأن التاريخ والوقائع تؤكد أنهم طلاب سلطة ومناصب وأصحاب شهوة في سفك الدماء ومصاصي أموال الدول ومقدرات الشعوب لثرائهم الشخصي والعائلي، فكانوا جاهزين دائماً للمتاجرة بالمبادئ وتلوين المواقف خدمة لاسرائيل وحماية لوجودها وتوسعها الشرير، وهو ما يفسر أنه منذ عام 1936 وحتى اليوم نخسر في صراعنا مع الكيان الصهيوني حروبا وسياسات، وهي تحقق انتصارا وتوسعات.

ومع كل ذلك كنت أعتقد أن تلك المقولة تبقى ضربا من الخيال والأحلام، وتبين لي في السنوات الثلاث الأخيرة (سنوات الربيع العربي) أن ذلك ليس خيالا ولا حلما، بل حقيقة، بل ومخطط مدروس ومرسوم، بما فيه من يحكم ويهيمن على أنظمة الدول العربية، فالنموذج الاستبدادي لهذه الأنظمة المتآمرة على الخيارات الديموقراطية والمنتهكة لحقوق الإنسان والمستبيحة لدماء شعوبها إنما تقود إلى تفكيك وتقسيم الدول العربية لدويلات، كما حدث في السودان، ويلحق به العراق وربما اليمن، بل وتقسيم مناطق نفوذ السلطة الفلسطينية، وما ستشهده كل من سوريا ولبنان، وإشعال الفتنة في مصر بقتل المتظاهرين دفعا بها لحروب استنزاف داخلية أو حرب أهلية لا قدر الله، وإشغال دول المغرب العربي بنزاعات مماثلة، وإلهاء دول الخليج العربية بالتمويل لكل تلك الصراعات وتعويض خسائرها، مع تخويفها ببعبع المارد الشيعي الإيراني المحرض والمغذي للنزاعات الطائفية، كل ذلك هو لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد المحقق للحلم المخطط له لدولة الصهاينة «من الفرات إلى النيل»، خيب الله مخططهم، وخلصنا من الزعامات المتآمرة على أمتها وشعوبها.

اللهم اني بلغت.


أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net




أضف تعليقك

تعليقات  0