الوقت فات لإنقاذ «بلاكبيري» .. ستذهب إلى طي النسيان

 

عد أن بدأت مسيرتها المهنية في صناعة الخدمات المالية في نيويورك قبل خمس سنوات، أصبح من النادر أن ترى كاري سين دون جهازها بلاكبيري. شعرت كاري دائماً، مثلها مثل ملايين غيرها من موظفي المكاتب حول العالم، بنوع من الولاء لهذا الجهاز. وهي تقول : ''كان دائماً معي أثناء العمل، وكان من السهل التمسك بنوع واحد من الأجهزة. وأيضا كنت معتادة على استخدام لوحة مفاتيحه''.

لكن جاذبية جهازها بدأت تضعف مع الوقت، لأن مزيدا من أصدقائها أخذوا يشترون أجهزة آيفون. ومن الناحية الاجتماعية، كانت كما لو أنها سجينة في مكتبها، بينما كان الجميع في حفلة. وتعلق على ذلك قائلة: ''حُرمْتُ من الرسائل النصية من المجموعة، وواحدة من النكات التي كان أصدقائي يرسلونها بالبريد الإلكتروني حول التطبيقات الجديدة، مثلا: كاري تستخدم جهاز البلاكبيري. تطبيقها الوحيد هو استخدامه ثقالة لمنع تطاير الورق''.

وأخيرا، في (مايو) الماضي، حدث التحول. وقالت هذه التجربة ''غيرت حياتي بالمعنى الفعلي''.

لم تكن سين وحدها في ذلك. ففي الربع الأول من السنة المالية تقلصت قاعدة المشتركين في بلاكبيري بواقع أربعة ملايين مشترك لتصبح 72 مليون مشترك. وما كان عماد قوتها لفترة طويلة – وهم مستخدمو الشركات مثل سين – أصبح عاجزاً عن حمايتها من ثورة الهواتف الذكية التي أطلقتها ''أبل'' من خلال أجهزة الآيفون، المدفوعة بشاشة اللمس والتطبيقات.

وفي أوج اللعبة، بدا كأن جهاز بلاكبيري لا يقهر، فقد أصبح أيقونة العقد الأول من القرن الحالي. واحتفى به نجوم موسيقى الراب وأرباب الصناعة والمحامون، حتى اشتُهر عن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، أنه رفض الاستغناء عن جهازه البلاكبيري عند انتخابه.

وكانت تلك هي الأيام المجيدة لبلاكبيري، عندما كان تطبيق البريد الإلكتروني على الجوال هو ''التطبيق الرائع''. كانت أجهزة الشركة التي ساعدت في تحديد ملامح سوق الهواتف الذكية الوليدة، مشهورة بلوحة المفاتيح التقليدية صغيرة الحجم، المشهود لها بالثقة والأمان.

الآن ولت تلك الأيام وكأنها جزء من الماضي البعيد. وانخفضت حصة بلاكبيري في أسواق الهواتف الذكية العالمية من 50 في المائة إلى 3 في المائة فقط على مدى السنوات الأربع الماضية، وذلك حسب أرقام نشرتها مؤسسة أبحاث الأسواق ''إنترناشيونال داتا كوربوريشين''.

وأبلغت هذه الشركة الكندية، في آخر تقرير لها عن الربع الأخير، عن خسائر صافية غير متوقعة بلغت 84 مليون دولار، وتتوقع مزيداً من الخسائر. وعلى الرغم من تدشينها هواتف ذكية بُنيت على أساس نظام التشغيل الجديد بلاكبيري 10، تراجعت مبيعات الموديلات الجديدة بواقع مليون وحدة عن الأعداد التي توقعها المحللون.

وصُدمت الشركة من هذه الأرقام ومن انهيار سعر سهمها من ذروة بلغت 230 دولاراً إلى نحو 11 دولاراً، بحيث قرر مجلس إدارتها يوم الإثنين الماضي أن الوقت حان كي تقوم الشركة بإنهاء استراتيجية التحول الوليدة، وإنشاء لجنة خاصة مهمتها تولي عملية ''مراجعة استراتيجية'' للشركة، وهو تحرك يعتقد أغلب المحللين أنه سيؤدي إلى بيع بلاكبيري أو استحواذ شركة أخرى عليها.

ويختلف هذا الوضع كثيراً عن عام 2008، عندما قُدرت القيمة السوقية لبلاكبيري (التي كانت تسمى في حينه ريسيرش إن موشن) بمبلغ 80 مليار دولار. وحلت شركة ريسيرش إن موشن الكندية محل نورتيل نيتويركس، بعد أن قدمت الأخيرة طلب حماية من الإفلاس في كانون الثاني (يناير) 2009، لتكون حاملة علم التكنولوجيا في كندا، وكان الرئيسان التنفيذيان في الشركة، مايكل لازاريديس، مؤسس الشركة، وجيم باليسيلي، يعاملان مثل نجوم الروك.

لكن ظهرت علامات متزايدة على أن الاعتماد على مبيعات إلى الشركات الكبيرة ذهب بعيداً فوق الحد، وأن بلاكبيري فوتت ظاهرة تطبيقات الهواتف الذكية التي ستأتي لتهيمن على كثير من أوجه حياة الزبائن. ووصف باسل الدجاني، وهو متدرب أمضي فترة تدريب دامت أربعة أشهر في المركز الرئيسي لبلاكبيري، في ووترلو في أونتاريو عام 2010، كما لو أنها ''أيام السجن''.

وقال الشاب البالغ من العمر 22 عاماً: ''كنت كما لو أنني أعمل في شركة تأمين، لكنها تحاول العمل في التكنولوجيا''. وأضاف: ''كانت تركز بصورة كبيرة على الشركات. كانت هذه هي الجهات التي كانوا يبيعون لها، وهذه هي الثقافة التي تبنوها''.

ووُجه سؤال إلى باليسيلي أثناء انعقاد مؤتمر الجوال العالمي في برشلونة عام 2011، فيما إذا فقدت بلاكبيري صلتها بالزبائن وعفّى عليها الزمن، فانفجر قائلاً: ''أنا أعتقد أن ذلك غير صحيح بالمرة''. وأضاف مدافعاً عن الشركة بقوله: ''نعتقد أن الأفضل ما زال أمامنا''.

ولم يكن ذلك صحيحاً. ففي أوائل السنة الماضية، تنحى كل من بالسيلي ولازاريديس عن منصبيهما، بعد نتائج مخيبة للآمال ودلائل متزايدة على تخلي كثير من الزبائن، خاصة في الولايات المتحدة، عن إدمانهم على جهاز ''الكراكبيري'' (كناية عن الإدمان على نوع رديء من الكوكايين هو الكراك) والتحول إلى أجهزة الهواتف الذكية ''الأكثر جاذبية'' التي تبيعها كل من ''أبل'' و''سامسونج''.

واستُبدل ثورستين هاينز، المهندس الألماني المولد، ببالسيلي ولازاريديس وشرع على الفور في إكمال التحول التكنولوجي الذي بدأه من سبقوه في العمل. وبدعم من مجلس الإدارة، بدأ هاينز عمله بالمراهنة على تنفيذ نظام التشغيل الجديد بلاكبيري 10 الذي طال انتظاره، وهو نظام صُمم للاستفادة من التغيرات المزلزلة في أسواق الهواتف الذكية ومنها التوجه نحو شاشات اللمس.

وكشف هاينز في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي، عن نظام التشغيل بي بي 10، وجهازي هاتف يدويين من الجيل المقبل، هما زد 10 وكيو 10 المزودين بلوحة مفاتيح عادية. وفي تلك المناسبة أعلن رسمياً عن تغيير اسم ريسيرش إن موشن إلى بلاكبيري. وفي لحظة محرجة على المسرح، قدم هاينز المطربة أليشيا كيز على أنها مديرة الابتكارات الجديدة. وتبين بعد ذلك بفترة قصيرة، أنها من أكبر مستخدمي أجهزة الآيفون.

واعتقد هاينز ومجلس إدارة الشركة أنه بالرغم من مشكلات بلاكبيري، إلا أن نظام بلاكبيري يمكن أن يظهر بديلا لنظام iOS الخاص بـ ''أبل'' ونظام التشغيل أندرويد من ''جوجل''، الذي تستخدمه ''سامسونج''. وقال هاينز إن تدشين هذا النظام سيكون ''البداية الجديدة'' لصانعة الهواتف الذكية الكندية.

لكن مثلما اكتشفت الشركة، طالما أن بلاكبيري فقدت ''روعتها'' وبدأ زبائنها والشركات في تحويل ولائهم عنها، بات من غير الممكن إيقاف هذا الاتجاه العام تقريباً، خصوصاً في سوق متطورة مثل السوق الأمريكية. ولم تكن ''بلاكبيري'' الوحيدة في ذلك، فقد سبقتها ''موتورولا'' و''نوكيا'' في سوء تقدير ثورة الهواتف الذكية.

وسبق لكبار التنفيذيين في ''بلاكبيري'' بصورة خاصة أن شككوا في نجاح أجهزة آيفون دون وجود لوحة مفاتيح مادية عليها. وقال رون أدنر، أستاذ الاستراتيجيات في كلية تاك للأعمال والمختص في الابتكارات، الذي يرى أن كثيراً من مشكلات ''ريسيرش إن موشن'' نبعت من هذا الخطأ: ''لقد نظروا إلى جهاز آيفون ورفضوه مثلما فعلت نوكيا بالضبط من قبل. لكن عندما أخذوا المسألة بجدية في النهاية، بالغوا في تصحيح الخطأ''. وأضاف: ''ركزوا الكثير من اهتمامهم ومواردهم فوق الحد على المستهلكين ومتجر تطبيقاتهم، وفقدوا الميزة الأساسية التي تمتعوا بها مع عملائهم الأساسيين من الشركات، وهم رؤساء أقسام تكنولوجيا المعلومات''.

وعندما انطلق جهاز آيفون اعتقدت ''بلاكبيري'' أنه بدون لوحة مفاتيح فعلية للجهاز، لن يعتمده العاملون في بيئة الأعمال الأساسية بصورة واسعة قط، وهم الذين يرسلون ويستقبلون أعداداً كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني. وقال لازاريديس بعد إطلاق الآيفون في السوق مباشرة: ''لدى الآيفون مواطن قصور بالغة، فيما يتعلق بالطباعة السهلة المريحة''.

لكن ما فاته، وفات الآخرين من المخضرمين في الصناعة، هو أن لوحة مفاتيح آيفون الافتراضية كانت ملائمة، وأن فوائد الحصول على عملية تصفح سريعة على الجوال والدخول إلى عدد هائل من التطبيقات المجانية، أو الرخيصة يفوق كثيراً أي مواطن قصور في الجهاز.

ويقول بيتر ميسيك، المحلل في ''جيفريز'': ''وأخيراً، وبسبب فقدان البريق الذي صاحب إطلاق برنامج التشغيل بي بي 10، نعتقد أن مجلس إدارة ''بلاكبيري'' يفكر في تحويلها إلى شركة خاصة، أو بيعها''.

لكن عملية عكس الاتجاه أثبتت بعد ستة أشهر فقط من إطلاق نظام بي بي 10 الطبيعة الوحشية التي تتميز بها صناعة الهواتف الذكية، التي تسيطر عليها كل من ''أبل'' و''سامسونج''.

ويُعتقد أن مصرفيين يتعاملون مع الشركة يعرضونها للبيع منذ 12 شهراً على الأقل. ومن بين الشركات التي يُعتقد أنها عُرضت عليها ''مايكروسوفت'' وشريكتها ''نوكيا''، و''سامسونج''، و''إتش تي سي''، و''موتورولا'' التي تمتلكها حالياً ''جوجل''، و''أمازون'' و''لينوفو'' و''ديل'' و''آي بي إم''. وهناك آخرون تم الاتصال بهم لهذا الغرض، منهم شركة الأسهم الخاصة ''سيلفر ليك بارتنرز''، لكن يُعتقد أنها جميعاً رفضت هذه المحاولات.

وبالنظر إلى مكانة ''بلاكبيري'' بوصفها بطلا قوميا في كندا، يتكهن بعض المحللين بأن أية محاولة ''إنقاذ كندية'' يمكن أن تؤدي على الأقل إلى شراء مزيد من الوقت. ومن المؤكد أن هناك تعاطفاً ملموساً مع ''بلاكبيري'' في بلدتها الأصلية، ووترلو، حيث بات الكثيرون متأكدين من أن الشركة سوف تنجو بعد مراجعتها الاستراتيجية.

ويشدد جودي باليوبيسكي، العضو المنتدب في مجموعة شاركول، التي تمتلك ثمانية مطاعم في المنطقة، على أن الشركة فعلت أكثر بكثير من مجرد تحويل المنطقة إلى مركز للتكنولوجيا. وقال وهو يسحب جهاز بلاكبيري من جيبه في مطعم بيرتاون المزدحم في ووترلو: ''أفكر في جميع الحدائق والمستشفيات التي ساعدت الشركة في إقامتها هنا. لن أشتري أبداً جهاز آيفون''.

ويمكن أن يتمثل أحد طرق العلاج في خروج ''بلاكبيري'' من سوق الأجهزة المتقلبة والتركيز على خدمات البرامج والشبكات. ومن بين من أشعل التوقعات بعملية إنقاذ كندية إلى حد ما، قرار اتخذه بريم واتسا، الذي يدير مؤسسة فيرفاكس فاينانشيال، وهي واحدة من أكبر حاملي أسهم ''بلاكبيري''، بالاستقالة من مجلس إدارتها بسبب ''إمكانية حدوث تضارب في المصالح''.

وقال واتسا، الذي يمتلك حصة نسبتها 9.9 في المائة، إنه ليست لديه ''حالياً نية'' للبيع، على الرغم من كفاح الشركة للبقاء. ويُعتقد أنها تحاول تكوين تجمع من المصارف الكندية وصناديق التقاعد لمساندة عملية عرض للشراء.

ومع هذا يعتقد كثير من المحللين أنه حتى لو نجح هذا العرض، فإن الوقت ربما يكون فات لإنقاذ ''بلاكبيري''.

وقال شارلز جولفن، من مؤسسة فوريستر ريسيرتش: ''لسوء الحظ، يبدو هذا كأنه الكتابة على الحائط بطرق مشوقة لجذب القارئ للأجهزة، لأن مبيعات الأجهزة التي تعمل على نظام بي بي 10 لا تشير إلى أن المنصة ستستعيد حصة معقولة في السوق''.

لن تستعيد ''بلاكبيري'' أمجادها السابقة، بل هناك مخاوف من أن تذهب إلى طي النسيان وتتبع غيرها ممن سبقوها من الرواد الأوائل. وعندما سُئلت شركة كبيرة في مجال الأسهم الخاصة هذا الأسبوع، حول إذا ما كانت مهتمة بشراء ''بلاكبيري''، كان الجواب: ''ألا تذكرون جهاز بالم بايلوت؟ هل تريدون منا قول المزيد؟''.

أضف تعليقك

تعليقات  0