قراءة في الموقف الأميركي من مصر


دعونا نتساءل فقط، لماذا تقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد ثورة 30 يونيو في مصر التي أسقطت حكم الاخوان المسلمين، وألّبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد الحكومة الموقتة، بينما تخلت ضمن سياساتها الامبريالية التي تحمي مصالحها الاستعمارية والهيمنة على حكومات وشعوب العالم ونهب ثرواتها دون مبدئية من خلال فرضها لسياسة النيوليبرالية الاقتصادية ونهج التبعية لها.

فالتاريخ يشهد بأنها تتخلى بسهولة عن حلفائها الذين يظنون أنهم يحظون بحمايتها ودعمها السياسي، مثل شاه إيران محمد رضا بهلوي الذي كان يعتبر شرطي المنطقة، وزين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ومعمر القذافي وغيرهم الكثير من رموز الأنظمة الحليفة لها، بينما تمسكت ودافعت باستماتة عن محمد مرسي وحكم الأخوان المسلمين في مصر الذي سقط بالشرعية الشعبية والشرعية الثورية، ولماذا تروج للادعاءات التي يطلقها الاخوان وللتزوير الفج للحقائق والأدلة التي تبثها جماعات الاخوان والإسلام السياسي بشكل غير احترافي ولا ينطلي على من لديه ذرة عقل، فلماذا وما السر في ذلك؟
وفي الوقت الذي غضبت فيه بعض الأنظمة العربية من التخلي الأميركي السريع عن أهم حليف لها وهو حسني مبارك،

استغرب كثير من الأوساط السياسية التعنت والحرب الشعواء التي تشنها أميركا وتجيّش لها دولاً ومنظمات أممية ضد ثورة وإرادة الشعب المصري، الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال تسميته انقلاباً وتجاهل ثلاثين مليون متظاهر من الشعب يطالب باسقاط حكم الاخوان، وعملت أميركا وبشكل غير مقبول حتى ديبلوماسياً على التدخل السافر في الشأن المصري الداخلي، كما مارست ضغوطاً سياسية وديبلوماسية وإعلامية على الحكومة الموقتة التي جاء بها الشعب ذاته ورسم لها خارطة الطريق،

ووقفت مع مجموعة قليلة من الإسلاميين المتطرفين والإرهابيين الذين فقدوا رشدهم للأسف وخرجوا بالأسلحة الرشاشة في وضح النهار في شوارع مصر ومحافظاتها وقراها، يطلقون النار عشوائياً على شرفات ونوافذ منازل السكان العزل من المدنيين، ناهيك عن العمليات الإرهابية في سيناء وقتل الجنود والضباط وهو ما لم يحصل أثناء ثورة 25 يناير، وكذلك حرق الكنائس والمساجد والمباني الحكومية (بعضها تاريخي) ومحاولات تخريب المؤسسات الثقافية والحضارية مثل مكتبة

الإسكندرية والمتاحف المختلفة، بما ينذر بتحويل مصر إلى عراق وسورية أخرى، فقبل فترة انتشر فيلم فيديو على الإنترنت لمسؤول الاستخبارات الأميركية السابق أو الأسبق يتحدث في العام 2006م أمام جمع من الناس أو رجال الكونغرس قائلاً بما معناه: «نحن لا نخشى من الإسلام والإسلاميين».. وأضاف: «الآن انتهينا من العراق والدور سيأتي على سورية ثم

مصر»، وهنا لا يعني افتعال ثورات، بل يعني إلغاء تهديد الجيوش العربية الكبيرة والقوية ضد إسرائيل عن طريق زرع خلايا إرهابية والعمل على شق الشعوب العربية طولياً عبر التفتيت الديني والعرقي والطائفي والقبلي، ويمكن أن نستنتج من ذلك أن أميركا التي فوجئت بثورتي تونس ومصر عام 2011م جعلتها بدلاً من الاستسلام للواقع الجديد، تعمل على حرف هذه الثورات باتجاه بوصلتها مع اطمئنان كامل أن أنظمة الاخوان ستعيش طويلاً لتحقيق الأجندة والمشروع الأميركي - الصهيوني، لكن

سقوطهم بهذه السرعة كان غير متوقع دون الاستعداد لوجود بديل جاهز وبعدما عملت وخططت طويلاً على المراهنة على الإسلام السياسي الذي أثبتت الشعوب فشله وضعفه، فأميركا لم تتوقع أن تستيقظ «الشعوب النائمة» كما كانت تسميها في موجات ثورية باتجاه الثورة الوطنية الديموقراطية.

كما أن بعض القوى السياسية والمثقفين العرب الذين تعودوا على تلقي المعرفة وليس على إنتاجها، وتعتمد عادة على عاطفتها وردود الأفعال وعلى كلاشيهات وثوابت وعقل غير انتقادي، جعلها لا ترى إلا بعين واحدة وتطبق أطر لم تستطع الخروج من أسرها لعقود طويلة، ولا تريد أن تتعب عقولها بالتنقيب والدراسة والتحليل المبني على فكر علمي مع اعتبار لنسبية المكان والزمان والواقع العياني، ظلوا وسيظلون متأخرين عن التفكير الإبداعي الجدلي وعن حركة التاريخ الجدلية.

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0