أزمة الدولة في العالم العربي



التيارات العربية السياسية تيارات خالية الوفاض تماماً، كما هي حال أغلب الأنظمة العربية، فالقاسم المشترك لكليهما افتقارهما إلى مشروع الدولة والقدرة على الحكم الرشيد أو دعمه وتعزيز إمكاناته، فعلى الرغم من توافر فرص ومعطيات إقامة دولة المشروعية والمؤسسات الحديثة، لكن تجربة ما يقارب قرنا من الزمان في الدول العربية تؤكد فشلهما في تحقيق ذلك، وخلافا للمدونات الدستورية والتأصيلات الفكرية والمبادئ والشعارات الجوهرية التي يتداولها هؤلاء ويعلنون إيمانهم بها والتمسك فيها، إلا أن واقعهم شاهد على تفريطهم بها وتناقضهم معها، ويكمن السر في ذلك إلى إشكالية موضوعية ومعضلة ذاتية، جعلت وباختصار جميعهم فاقد أهلية الالتزام بذلك وباحثا عن السلطة بذاتها ولذاتها.

أما الإشكالية الموضوعية، فمردّها إلى أنهما يؤمنان بالمبادئ والقيم للاستهلاك الشعبي والطرح الدعائي، لذا فهناك هوة كبيرة بين ما يعلنون ويقولون وبين ما يفعلون ويمارسون، لذلك تجد تناقضات صارخة بين ممارساتهم وسياساتهم وبين المبادئ والقيم، فالأنظمة ورجالها لا يؤمنون بقيم الديموقراطية والمشاركة الشعبية في إدارة الدولة ولا في التداول السلمي للسلطة. ويضعون من القواعد والشروط والضوابط ما يقيد ويضيق القدرة الشعبية في التغيير والإسهام في إدارة شؤون الدولة، وفي المقابل لا يملكون قدرة على النهوض بمشروع الدولة، وهو ما يبرز هشاشة الدول العربية التي آخر ما تبنى عليه هو مؤسسات للحكم أو برنامج وركائز للإدارة الرشيدة. أما التيارات السياسية فهي مغرقة في حزبيتها وتعصّبها لآرائها، بل وفي عدم الإيمان بالرأي الآخر وإقصائه، بل قد يصل الأمر للتآمر عليه وتصفيته أو التحريض على ذلك وتعتاش -وبكل أسف- على افتعال الصراع وبث كل ما يشغل الناس فيه، ولا يملك أي منها الحديث عن تميزه وإمكاناته ومشروعه السياسي والإصلاحي، وقد غذى كل ذلك حالة الاتهامات والتخوين والكراهية بين الفرقاء السياسيين بما فيها الأنظمة ذاتها، ما جعل كل ذلك محورا لاهتمامهم اليومي وجوهرا لطرحهم الانتخابي وبرنامجهم السياسي.

وأما المعضلة الذاتية فمنطلقاتها هي أن الاستحواذ على السلطة والتفرّد بها وإقصاء الآخر هي نهاية المطاف والغاية التي يسعى إليها كل منهم، فمن يكن بالسلطة يخش فكرة تداولها سلميا أو أخذها منه انقلابيا، كما حدث في الانقلابات العربية الشهيرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والتي لاتزال إرهاصاتها وتأثيراتها حاضرة لمن بيده السلطة، ما يجعل الأنظمة تتصف بالشراسة ذودا عن سلطة الحكم التي بيدها مهما كلف ذلك من ثمن ودماء وانتهاك للحريات، لأنه في ذهنها هي الحكم، والحكم هي، فلا تستوعب فكرة وجودها خارج السلطة ومبدأ تداولها. والسلوك الإاقصائي نفسه يمارسه من يصل للحكم من التيارات السياسية انتخابيا أو بالقوة.

وخلاصة لكل ما سبق يتصف المثقف العربي، سواء وهو في صف النظام المستبد، أو التيار السياسي المتعسف، أو في حال التبرير الواقعي المؤسف أو التفرج المتوقف، بأنه يعيش أزمة فقدانه القدرة على الموازنة والقدرة على امتلاك الموضوعية والحياد في الحكم على الأحداث دون الانطلاق من القناعات المسبقة، وعلى الجميع في ضوء ما يمر به العالم العربي، خصوصا في سوريا ولبنان والعراق، وأخيرا مصر، أن يحدد موقفه من:

ــــ هل انتهى الخيار الانتخابي في إدارة شؤون الدولة؟

ــــ هل يمكن أن تقبل القوة أساسا في الوصول للحكم؟

ــــ هل الانقلاب العسكري مقبول للتعبير عن الإرادة الشعبية؟

ــــ هل نقبل بتصفية الفرقاء السياسيين ومن يعارضنا بالرأي؟

ــــ هل نقبل بالزجّ السياسي للقضاء وتمرير محاكمات صورية من خلاله؟

ــــ هل من شرعية لنظام يقتل شعبه ويدمّر بلده حفاظا على سلطته أو أمنه؟

ــــ هل يقبل مبدأ لا حرية إلا ما تحدده السلطة وأحكام الطوارئ منطلقا لهدر الحريات؟

أظن أننا في العالم العربي بحاجة إلى وقفة جادة لنتعرف على حقيقة مؤلمة، وهي أن تخلفنا يكمن في أن كل نظام لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع غير صوته، وتياراتنا تعتاش على تمزيق الدولة وبضربها فيما تعتقده أنها مواجهة بعضها لبعض، إلا أن منطلقاتها الفئوية أو الحزبية أو الطائفية تنال من الدولة وإمكاناتها وهم لا يتضررون من ذلك، لذا فلا أحد منهما يملك مشروعا لبناء الدولة التي هي في أزمة في عالمنا العربي.

اللهم إني بلّغت..



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0