خطاب إلى الحكومات الخليجية


تعلمون أن الغالبية من شعوبكم غير راضين عن أدائكم، مع قناعتهم بان وجود الأنظمة شرط لاستقرار دولهم، فحكم الاسرة، المتفق عليه منذ مئات السنين، يحصر التنافس بين القوى السياسية ومكونات المجتمع في دائرة ضيقة وفي اطار مقبول، ولا يعطي مجالا لهم للتطلع إلى الحكم. وقد اثبت الوقت صحة هذه النظرية، فاستمرت عجلة الحياة من دون حوادث تذكر، الا ممن هم يتطلعون إلى السلطة والمشيخة - في نظرهم - حق من حقوقهم المكتسبة.

كما تعلمون ان الله سبحانه وتعالى اكرمكم بأسباب الرزق، حيث توافر النفط والغاز في المنطقة، حتى اصبحت كلفة استخراج ليتر النفط أرخص من قيمة ليتر مياه معدنية! ومع اختلاف انظمة ادارة شؤون البلاد من دولة الى اخرى، الا ان هذين العنصرين (النفط واستقرار الحكم) كانا كفيلين بتأمين تنمية وتطوير الخدمات والحياة العامة وانشغال الناس بامور دنياهم ومعاشهم اليومي.

غير ان دوام الحال من المحال كما هو معروف.

فقد لوحظ في السنوات الاخيرة انحراف بعض الحكومات في بعض هذه الدول عن جادة الحق والصواب، وتغيرت السياسات العامة التي كان الناس يعتبرونها فخراً لكل خليجي، وتأكيداً لاصالة هذه الدول بحكامها وشعوبها سواء بسواء، ولعل تبنيكم لقضية فلسطين كقضية العرب الازلية اوضح مثال على ما اقول.

للأسف الآن صارت بعض الحكومات تراعي ما تريده اميركا لا ما يريده اصحاب القضية. ولئن كنا نلاحظ طوال عقود مضت حرص حكوماتنا على المصالح الاميركية وانسجامها السياسي معها، الا ان بعضنا كان يرى للحكومات عذراً في ذلك، من منطلق مراعاة الجانب الامني لشعوب المنطقة ودولها.

لكن ما حدث في السنوات الماضية ان السياسة الاميركية اصبحت تراعي مصالح دول اخرى وتعطي لها الاولوية على حساب أمن دولنا واستقرارها، وهذا واضح في تعاملها مع العراق وايران، حيث دعمت النظام الطائفي في بغداد وسلمته الخيط والمخيط مقابل مصالح لها في المنطقة، وكان يفترض على الاقل ان يكون استقرار دول الخليج وامنها من بين هذه المصالح، ان لم يكن على رأسها، الا ان الذي حصل العكس! وبالمثل تعاملها مع ايران، حيث كان موضوع اقتناء السلاح النووي محور هذا التعامل، ولما تم التفاهم عليه بينهما اصبحت اميركا تراعي الجانب الايراني في اي توجه لها بالمنطقة، وطبعا لا يهم إن كانت مصالح دول الخليج الصغيرة هي الثمن! وليتنا نتعلم مما يحدث، فها هي الحكومات ما زالت تؤيد ما يريده الاميركان أكثر مما هو في أي بقعة من بقاع الارض، ولعل التهاون الذي تم ويتم اليوم في التعامل مع الشأن السوري اكبر دليل على ما نقول، وكأننا ننتظر متى تسمح اميركا واوروبا بإسقاط الاسد! اما تعامل الحكومات مع الشأن المصري فقد صب في خدمة الاميركان لتحقيق ما يعجزون عن فعله، حيث ان القوانين الاميركية تمنع دعم نظام حكم انقلابي فكانت دولنا خير من يقوم بهذا الدور، ولتخفيف الضغط والغضب الشعبي تم الايحاء بان ما يجري هو ضد السياسة الاميركية! وستثبت الايام ان اكبر الداعمين للانقلاب هم الاميركان.

ولتعلم الحكومات ان شعوبها بدأت تتنبه الى ان التغيير السلبي لم يكن في سياساتكم الخارجية، بل تعداها الى تغيير جذري في سياساتكم الداخلية وتعاملكم مع شعوبكم!

فبعض تلك الحكومات كان يعيش بهامش من الحرية، واليوم اصبحت ممارسة الحريات تهمة تحال بسببها إلى النيابة! وبعضكم امتلأت سجونهم بسجناء الرأي، وبعضكم يعتقل المواطن عدة اشهر من دون محاكمة، وبعضكم يقدم الاصلاحيون للحاكم وثيقة إصلاحات سياسية فيحالون إلى المحاكم بتهمة السعي للانقلاب على الحكم! وبعض من تبقى منكم ما زالت الحريات لديه ابواق اعلامية غير مطبقة على الواقع! ولعل اكبر تضحية بمصالح شعوبنا اليوم هي دعم الانقلاب المصري الذي لم يقف معه سوى بعض الخليج، بينما شعب مصر ينظر بحسرة وألم إلى ما تسبب به هذا الموقف من خراب لهم ولمستقبل بلادهم!

نعم، سيحمّلنا الشعب مسؤولية ما تم وسيتم لمصر، بعد ان خجل الاميركان من افتضاح سياساتهم وجعلونا «ممشاشة زفر».

حكوماتنا الجليلة، ما زال الامل معقودا على اعادة النظر في تعاملكم مع الاحداث، وما زالت قناعاتنا منذ التأسيس الى اليوم أن وجود الاسر الحاكمة عنصر استقرار لنا، كل ما نريده فقط ان تعطوا مصالح شعوبكم أولوية على ما عداها، عندها فقط ستكون شعوبكم ضمانا لوجودكم.

حفظ الله حكومات الخليج ورعاهم وهداهم لما فيه مصلحة البلاد والعباد.


مبارك فهد الدويله
أضف تعليقك

تعليقات  0