عاجل: اعتقال إرهابي سلمي!


في أوائل سنة 1928 اجتمع البرلمان المصري اجتماعاً خاصاً في عهد وزارة الرئيس مصطفى النحاس للبحث في ما يدبر للحياة النيابية بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، ووقف المفكر الموسوعي الذي أطلق عليه سعد زغلول لقب «الكاتب الجبار»... عباس محمود العقاد خطيباً، فهاجم أعداء الأمة وأعداء الدستور، ونطق بكلمته المشهورة «ان الأمة على استعداد لسحق أكبر رأس في البلد يخون الأمة، ويعتدي على الدستور»، وفهم القصر ان المقصود بهذه

الكلمة الملك فؤاد، وكان العقاد متمتعاً وقتذاك بالحصانة البرلمانية كنائب في البرلمان، فلما حلت الحكومة البرلمان ثم جاءت حكومة اسماعيل صدقي دبرت قضية العيب في الذات الملكية من المقالات التي كان يكتبها وقتذاك عن الرجعية، فقضت المحكمة بحبسه تسعة أشهر من 13 أكتوبر 1930، إلى 8 يوليو سنة 1931م.

وقد حاولت صحيفة (الشعب) الناطقة بلسان القصر ان تصور العقاد منهارا امام حكم المحكمة لكن الصحف الاخرى قالت الحقيقة: ان العقاد قد تلقى الحكم بشجاعة ورباطة جأش، ولم يزد على ان نطق في قفصه بعد تلاوة الحكم بكلمة واحد وهي: (ولو)!

قضى العقاد مدة السجن تسعة اشهر وخرج وألقى قصيدته الرائعة التي يقول فيها:

وكنت جنين السجن تسعة أشهر

فهانذا في ساحة الخلد أولد

وما أقعدت لي ظلمة السجن عزمة

فما كل ليل حين يغشاك مرقد

عداتي وصحبي لا اختلاف عليهما

سيعهدني كل كما كان يعهد

وأمتعنا العقاد بتسجيل خواطره وتحليلاته من تجربته في السجن فألف كتابه (عالم السدود والقيود) وكتب فصلا في كتابه (أنا) بعنوان (أنا في السجن).

ما دفعني لاستحضار مشهد (العقاد) ما آل اليه من حبس على موقفه المبدئي هو تبثه يوميا شاشات الفضائيات من اخبار مسبوقة بشريط اخباري يبدأ بكلمة عاجل: (قوات الأمن تلقي القبض على القيادي...

المتهم بالتحريض على العنف!! وغالبا ما يكون هؤلاء المعتقلون الجدد من المواطنين النبلاء والحاصلين على شهادات الطب والهندسة وغيرها من التخصصات

والمشهود لهم بالوطنية والسلمية والشرف على امتداد تاريخهم السياسي، ويكتمل هذا المشهد التراجيدي المحزن حين نرصد ردة فعل (أدعياء) الثقافة والفكر والموضوعية والحيادية من جوقة يحلو لها ان تطلق على نفسها اسم محلل سياسي وكثير منهم مرتزقة اهلتهم امكاناتهم واتقانهم لمهارات وفنون تزوير الوعي المقترن بالتمثيل والتهريج خدمة للطغيان السياسي والعسكري لاكتساب ذلك اللقب الزائف (محلل سياسي) ليقدموا نضال (العقاديون الجدد) على انه ارهاب وخيانة وعنف...
ثم شماتة، سباب يترفع الانسان عن ذكر نماذج منه... ذهب تاريخ العقاد وموقفه لكن بقي شاخصا يخلد الرجولة في اسمى معانيها ويكشف النفاق، وعبيد السلطان للجميع وهكذا سيشهد التاريخ لكثيرين من المناضلين بأنهم كما قال العقاد (فهأنذا من ساحة الخلد أولد).

محمد العوضي
@mh_awadi

أضف تعليقك

تعليقات  0