الشعوب


إن طال الزمن أو قصر فالنصر دائماً للشعوب، وتلك الجملة ليست أمنية رومانسية بل حقيقة موضوعية تؤكدها قوانين تطور المجتمعات وتثبتها الحقيقة والتجارب التاريخية.

ولا تختلف الشعوب في أي قارة عن بعضها في هذه الحقيقة الموضوعية، مهما حاولت الدول الأوروبية والغربية المتقدمة ومفكروها خصوصا في العلوم الاجتماعية والفلسفية إسباغ أشكال من التصنيفات الذي يشي بعضها بالاستعلاء وبعضها بالتفريق المتعسف على تكوينات العقل بين الشعوب الأقل تطوراً من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، كما فعل هتلر عندما وضع الجنس الآري فوق جميع أجناس البشر، ووضعت الصهيونية اليهود في مكانة مميزة بين الأجناس والديانات على اعتبار أنهم «شعب الله المختار».

ولقد ساهمت بعض الكتابات العربية في العقود السابقة في إلقاء اللوم على «العقل العربي» وسبب تخلفه، بتسليم سطحي وقدري ينعكس على تفكير هؤلاء الكتاب والمفكرين العرب، بل بلغت سطحية تحليل هذه الكتابات العربية بنقض ليس قوانين التطور التاريخي فقط ولكن أيضاً بحرف العامل الحاسم في تطور الشعوب كالادعاء السائد عند بعضها تأثراً ببعض الكتابات الغربية بأن «الثقافة» هي العامل الحاسم في تطور الشعوب وليس الصراع الطبقي كما أثبتته قوانين العلم.

فنظرة سريعة على المجلات والكتب الفكرية والدراسات العربية «المحكّمة» نجدها تضع مفهوماً غير علمي اسمه «العقل العربي»، رغم أن العقل العربي ليس واحداً في الزمان والمكان وغير ثابت ضمن النسبيات، وهذا ينطبق على كل العقول الأخرى إن اعتمدنا هذا المفهوم، أما الادعاء بأن الثقافة هي العامل الحاسم في تطور أو تخلف الشعوب فهو ادعاء ساذج، اذ إن الثقافة لاحقة وليست أولية وهي انعكاس جدلي غير مباشر للموضوع الاقتصادي الاجتماعي فكيف تتطور ثقافة الانسان دون وجوده أولاً؟ وكيف يكون هذا الوجود دون انتاج مادي أو روحي أو معنوي اضافة الى أنماط السلوك؟

ولم يقتصر الأمر على الاستعلاء التمييزي الغربي على الشعوب النامية أو ما يسمى بالمراكز والأطراف، بل هناك تقسيم ضمن التقسيم وهو تمييز المراكز العربية عن الأطراف العربية، واستعلاء عربي على العربي دون اخضاع العقل للمنطق والتحليل، فإن كانت نظرة الغرب الى العرب هي من بقايا الثقافة والتراث الاستعماريين فإن نظرة العرب للعرب هي من بقايا التخلف الثقافي والفهم المبسط.

وعودة الى بداية المقال فان الغرب راهن طويلاً على ماسمي بـ«السبات العربي»، ناصره في ذلك المثقفون العرب من بقايا التراث التنويري في القرن التاسع عشر الذي ينظر الى النموذج الأوروبي كمثال يحتذى أو يجدر اللحاق به.

فلم يدر في حسبان الغرب أن تنهض الشعوب العربية في ثورات وطنية ديموقراطية تطالب بالقيم الانسانية الكبرى مثل الحرية والديموقراطية والتنمية الذاتية والاستقلال من التبعية للغرب سياسياً واقتصادياً، ولم يتبق في جعبة الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة من أساليب لإخضاع هذه الشعوب «النائمة»، فلا العدوان العسكري أو الاستعمار بقادر على اخضاعها ولا استغلال الدين ينفع في احتوائها ولا حيل الادعاءات بتعليمها القيم الديموقراطية والتحضر وحقوق الانسان ولا الابتزاز الاقتصادي قادر على إذلالها، فمهما اُستخدم ضدها من قمع دموي أو تدليس ديني أو ديموقراطية مدنية شكلانية أو تضييق اقتصادي، فان النصر بالنهاية للشعوب.


وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0