حول مشروع الإصلاح السياسي


تحقيق الإصلاح السياسي والديمقراطي الشامل والجذري، كما ذكرنا ذات مقال، لا يتم "بكبسة زر"، بل هو عمل مستمر وتراكمي، شاق أحياناً ويحتاج إلى صبر وقوة تحمل ومثابرة، فقد يمر الحراك الشعبيّ في مراحل معينة بانتكاسات موجعة ومرهقة لكنها تبقى ضمن سياق المجرى العام للتطور؛ تراجعات مؤقتة طالما

كانت قوى التغيير الديمقراطي واعية لطبيعة المرحلة ومدركة لموازين القوى السياسية والاجتماعية، إذ سرعان ما يعود الحراك الشعبي إلى زخمه الطبيعي، خصوصاً إذا كانت المطالب الشعبية هي نقطة الارتكاز التي ينطلق منها مشروع الإصلاح السياسي والديمقراطي.

من هذا المنطلق من المفترض الابتعاد عن الانشغال المبالغ فيه بلجة التفاصيل الصغيرة حول بعض القضايا الهامشية، أو الدخول في خلافات جانبية، أو تضييع الوقت بالحديث عن أعراض المشاكل العامة التي أصبحت اليوم لا تعد ولا تحصى، أو الوقوف كثيراً أمام المظاهر المتعددة والواضحة للفساد بأشكاله كافة لا سيما الفساد السياسي؛ لأن ذلك يعتبر هدراً للجهود المخلصة التي تسعى على الدوام إلى تحقيق الإصلاح الديمقراطي، حيث إن مظاهر الفساد السياسي، الذي يعتبر أكثر أنواع الفساد شراسة، وهو السبب الرئيسي لأنواع الفساد الأخرى، لن تختفي طالما ظلت أسبابه قائمة، فأعراض المرض، كما يعرف الأطباء، سوف تستمر وقد تتفاقم وتسبب أمراضاً أخرى ما لم تعالج أسبابه الجذرية.

من هنا تأتي أهمية المشروع السياسي للمعارضة، الذي تحدثنا عنه غير مرة في هذه الزاوية، بيد أن مشروع الإصلاح السياسي والديمقراطي بحد ذاته غير كاف ما لم تكن آلية تنفيذه واضحة وواقعية؛ على أن يقوم بتبنيه وطرحه على الرأي العام والعمل على تحقيقه قوى سياسية مدنية ديمقراطية واعية تؤمن

بالديمقراطية كمنظومة متكاملة لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، وليست قوى مزيفة أو متخلفة ومعادية للديمقراطية، أو زعامات سياسية تبحث عن بطولات فردية ومكاسب شخصية على حساب القضايا العامة. بكلمات أخرى، نجاح قوى الإصلاح والتغيير الديمقراطي في تحقيق مشروعها السياسي لا يتوقف فقط على وضوح

المشروع وواقعية آليات تنفيذه ونضج الظروف الموضوعية، بل أيضا على قدرة هذه القوى على توحيد صفوفها على أسس سليمة، والإعلان عن نفسها بشكل واضح، وهو الأمر الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار في التحركات والأنشطة السياسية القادمة.

أضف تعليقك

تعليقات  0