تردد دولي لعقاب الأسد


يقف المجتمع الدولي متردداً في اتخاذ قرار حاسم لمواجهة جرائم نظام بشار الأسد في استخدام السلاح الكيماوي، الذي استنفر مشهد ضحاياه، من قتلى ومصابين يعانون الاختناق، ضمائر شعوب العالم، رافعاً حدة معاناة الشعب السوري ومأساته، من قتلى زاد عددهم على المائة ألف، وأضعاف ذلك من المصابين والمشردين داخل سوريا وفي دول الجوار، زاد عددهم على الخمسة ملايين، وسجناء بعشرات الألوف.

كان منظر استخدام السلاح الكيماوي دافعاً لمجلس الأمن الى اتخاذ موقف حاسم، باعتبار ان هذا العمل يشكل جريمة ضد الإنسانية، كما انه عمل يناقض المواثيق الدولية التي تحرم استخدام هذا السلاح.

الا ان موقف روسيا والصين في مساندة نظام بشار الأسد، وفر مظلة واقية للامعان في ممارسة مجازره تجاه الشعب السوري.

كان إعلان أوباما بان استخدام الأسلحة الكيماوية يعد تجاوزاً للخط الأحمر، لا يسمح له بالمرور من دون عقاب، وبناء على ذلك، ساد الاعتقاد بان ساعة العقاب قد حانت، وان توجيه ضربة لنظام الأسد أصبح وشيكاً، خصوصاً بعد تحريك البوارج الأميركية لأربع حاملات لصواريخ كروز الى شرق البحر المتوسط، وإعلان بريطانيا وفرنسا مشاركة الولايات المتحدة لعمل عسكري بتوجيه ضربة الى نظام الأسد.

لكن بدا هذا التحالف يواجه التفكك، بعد تصويت مجلس العموم البريطاني ضد مشاركة بريطانيا في عمل عسكري ضد سوريا.

ففي مناقشة البرلمان البريطاني، جرى استعادة تدخل أميركا وحلفائها في أفغانستان ثم العراق، والنتائج السلبية التي تمخضت عن ذلك التدخل، من خسائر بشرية ومادية واخفاق سياسي، وانتهى الأمر بقرار البرلمان ضد مشاركة بريطانيا في أي عمل عسكري ضد سوريا.

وانضم بعض نواب حزبي الائتلاف الحكومي (المحافظين والأحرار) الى جانب حزب العمال، للتصويت ضد اقتراح رئيس الوزراء ديفيد كاميرون واسقاطه.

وقال ديفيد كاميرون ان قرار البرلمان يعكس رأي الشعب البريطاني ضد التدخل العسكري، وانه سيلتزم به.

الموقف البريطاني ادى الى مراجعة الرئيس أوباما لموقفه، وفيما كان التوقع انه سيعلن في خطابه يوم السبت الماضي (2013/8/31) إعلان الضربة لنظام الأسد، وإذا به يعلن تأجيلها ريثما يناقش الأمر في الكونغرس الأميركي يوم 2013/9/9.

الموقف في الكونغرس الأميركي يتراوح بين فريق يطالب بتدخل واسع لاسقاط نظام الأسد، يعكسه السيناتور الجمهوري جون ماكين، وموقف متردد ومتخوف من التدخل العسكري يكرر تجربتي أفغانستان والعراق.

التحفظ على التدخل العسكري يرتكز على ضرورة توافر الأدلة الدامغة على ادانة النظام السوري باستخدام السلاح الكيماوي، وضرورة تبين الموقف القانوني، وفقاً للاتفاقيات الدولية، وتوضيح الأهداف الاستراتيجية للتدخل، أي النتائج المترتبة عليه، بما في ذلك ردود الفعل والتداعيات، وما اذا كانت ستؤدي الى توسيع مساحة الصراع في المنطقة.

الإدارة الأميركية أوضحت - على لسان وزير الخارجية جون كيري - ان لديها معلومات دقيقة وموثقة حول استخدام السلاح الكيماوي، من أين وجه الهجوم والموقع الذي اصابه والنتائج، من قتلى ومصابين، عرضت صورهم للعالم أجمع.

الموقف الآن يعتمد على موقف الكونغرس الأميركي، والاتصالات التي بدأ البيت الأبيض باجرائها مع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، توحي بان القرار سيكون لمصلحة التدخل، ويؤشر على ذلك تصريح السيناتور ماكين، بان تصويت الكونغرس ضد التدخل سيكون قراراً كارثياً يؤثر في سمعة الولايات المتحدة الأميركية ومصداقيتها أمام العالم.

المعيار الآن ليس الجانب الأخلاقي والإنساني أو النواحي القانونية، وإنما هو سمعة أميركا ومصداقيتها، وأثر ذلك على اهتزاز مكانتها كقوة عالمية أولى في قيادة العالم.

لم يعد في الإمكان تأليف تحالف دولي واسع، فبعد إحجام بريطانيا أصبح التحالف مقصوراً على أميركا وفرنسا، والأخيرة أعلنت استعدادها للمشاركة في العمل العسكري ضد سوريا، وأعلن الرئيس الفرنسي ذلك مع عرض الموضوع للمناقشة في البرلمان الفرنسي، ولكن من دون اتخاذ قرار، فالدستور الفرنسي يخوّل للرئيس اتخاذ قرار المشاركة في التدخل العسكري من دون الحاجة إلى موافقة البرلمان.


الخيارات المتاحة

تبقى مسألة الخيارات المتاحة إذا ما اتخذ قرار بالتدخل، وهل سيكون تدخلاً محدوداً بمنزلة توجيه صفعة لنظام الأسد، من دون أن يهز أو يخلخل وضعه.

في حديث الرئيس أوباما، بأن التدخل سيكون محدوداً زمناً ومكاناً، ولكن لن يستهدف إسقاط النظام، بل فقط تأديبه، هذا الخيار يتطلب استخدام ضربة بصواريخ كروز تطلق من البوارج الأميركية أو من الغواصات تستهدف مراكز إطلاق الصواريخ السورية، بغرض شل قدرة نقل الأسلحة الكيماوية، كما قد تستهدف ضرب مراكز القيادة في دمشق دون ضرب مخازن المواد الكيماوية خشية من تسربها.

هناك خيارات أخرى كإنشاء مناطق محمية من الهجوم الجوي، وهذا يتطلب ضرب السلاح الجوي السوري وشل قدرته على ضرب قواعد الثوار، ما يتطلب تدخل سلاح الطيران، لحماية قواعد الثوار من أي هجوم جوي.

يضاف إلى ذلك في كلتا الحالتين دعم قوات الثورة بالأسلحة لرفع قدرتها، وتحقيق توازن بينها وبين قوة النظام، ربما سعياً إلى إجبار النظام على التنازل في مؤتمر «جنيف 2».

الصقور في الكونغرس الأميركي وعلى رأسهم جون ماكين يطالبون بتدخل أوسع ضمن استراتيجية إسقاط النظام.

إزاء ذلك، قد يكون قرار الكونغرس مبنياً على موقف يشمل الضربة المحدودة، غرضها عقاب بشار الأسد وتحذيره من تكرار استخدام السلاح الكيماوي، ولكنها قابلة للتوسع لتؤدي إلى خلخلة النظام وإضعافه مع تزويد المعارضة بأسلحة أكثر تطوراً.

وهو ما يحقق أغراض الصقور في أوساط الحزب الجمهوري والحمائم في أوساط الحزب الديموقراطي. في أي حال إذا أخذ بعين الاعتبار ردود فعل نظام بشار وحلفائه، فقد يكون من الصعب وضع حدود دقيقة تعلن عندها أو بداخلها التدخل العسكري ويتم التقيد بها، وكثير من الحروب بدأت تكون محدودة، ولكنها أدت إلى التوسع مكاناً وزماناً.


عبدالله النيباري
أضف تعليقك

تعليقات  0