فكّان مفترسان.. والأسلحة الكيماوية و97 مليوناً


مرة أخرى تتجدد لعبة الأمم بشؤوننا، نحن العرب والمسلمين، وإليكم التصور الذي أظنه السيناريو المرتقب في سوريا بشأن الضربة العسكرية المقبلة والتي تضعنا بين فكين مفترسين الأميركي والروسي:

1 ــــ إن المسألة الجوهرية التي حركت الغرب ودوله تحمساً للتدخل العسكري والضربة التأديبية ــ كما تسمى ــ ليست هي جرائم إبادة النظام السوري لشعبه، ولا هي مجازر التطهير العرقي التي يرتكبها النظام، ولا هي جرائم الحرب المتعددة التي يتلذذ النظام بممارستها يوميا، وإنما تنحصر العلة في استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية في مواجهة بعض شعبه في الغوطة، ولو أنه لم يستخدم ذلك لتُرِك يكمل جرائم التصفية والإبادة لشعبه دون أن يحركوا ساكناً.

والسؤال الملح هنا هو: من أين أتى الأسد ــ وغيره من الأنظمة المجرمة ــ بمخزون الأسلحة الكيماوية التي يُتخوف من استخدامها وتم الذهول بعد استخدامها؟ هل هي مصنعة محلياً من قبله؟ طبعاً لا. هل تم شراؤها من دول أخرى؟ والجواب: نعم، من روسيا ومن الصين ومن كوريا وتباع أيضاً من أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول في الغرب والشرق المتقدمة في الصناعة الحربية والأسلحة الكيماوية تحديداً! إذاً، نظام الأسد قولاً واحداً وبلا تردد يستحق الضربة العسكرية، لكن الدول التي باعته وأمثاله ــ من الدكتاتوريين والمستبدين المجانين ــ هذه الأسلحة الفتاكة ألا يلزم السؤال عن سبب عدم معاقبتها وتأديبها، فالمتاجر بهذه الأسلحة الفتاكة لا يقل سوءاً عمن استخدمها، وهم من يزودون الظلمة والمجرمين من حكام الأنظمة المستبدة في العالم العربي وغيرهم بهذه الأسلحة وتقنية تصنيعها وتحميلها، وهم يبيعون لهم القنابل المسيلة للدموع وقنابل الدخان المعتمة وغيرها من الغازات والسموم الكيماوية، ولم يشجب أو يدن البائع وهو يدعم المجرم الذي اشتراها لتقتيل شعبه، فهل هذا منطق يقبله العقلاء؟!

2 ــــ فالأميركيون وفق تصريحاتهم سيقومون بضربة تأديبية محدودة لا تهدف لإسقاط نظام الاسد، وهو في تقديري يعني أن أميركا وحلفاءها سينفذون ضربات تسعى لتدمير وشل قدرات نظام الأسد الجوية من مطارات وطائرات أو مخزون لقطع الغيار الجوية، واستهداف منصات الصواريخ وبطارياتها وحاملاتها ورؤوسها المحتملة وشل قدرات المدافع التي يمكن أن تُحمَّل بأسلحة كيماوية، مع تنفيذ ضربات لتعطيل حركة الوصول أو النقل للأسلحة الكيماوية من مواقعها بما في ذلك أهداف محتملة لحزب الله، وهي ستوازن كثيراً لعدم إضعاف القدرات القتالية التقليدية لقوات الأسد.

3 ــــ أما الروس الذين أرسلوا أكبر حشد من بوارجهم للبحر المتوسط بالقرب من سوريا، فما هو الدور المتفق عليه معهم؟ أتوقع أن يكملوا العملية العسكرية بناء على طلب من النظام السوري وفقا لاتفاقيات مبرمة بينهم ليقوموا بمنع تفوق قوات الجيش السوري الحر وضرب عدد من مواقعه وآلياته بحجة ضرب مجاميع متطرفة ولمنع انهيار النظام ووقوع أسلحة دمار شامل - أي الكيماوي - تحت أيديهم لإبقاء حرب الاستنزاف مستمرة من دون غالب أو مغلوب تمهيداً لتقسيم سوريا الى دولتين.

4 ــــ وجود قوات أميركية مع حلفائها وروسية بهذه الضخامة لها - في ظني - هدف ردعي واضح ألا وهو منع أي توسع للحرب عما هو مرسوم لها، فلو حاول الإيرانيون وحزب الله اللبناني توسيع رقعة الحرب فسيتم ردعهما من قبل كافة القوى العسكرية، ولو فكر العراق أن يلعب دوراً في توسعة الحرب فسيتم ردعه أيضاً، ولو فكرت تركيا مثلاً في الإجهاز على نظام الأسد فسيكون الروس قوة الردع المتأهبة. وهكذا هي عمليات عسكرية تم ترتيبها بما لا يخل باستقرار المنطقة أو يهدد أمن إسرائيل.

5 ــــ إذاً المشهد العسكري والسياسي المقبل ليس لنا فيه خيار او دور إلا كوننا الممول لتكاليفه والمسرح لعملياته، والحقل لتجاربه واختباراته، والقتيل والجريح لمعاركه ودافع الثمن لإعادة إعمار تدميره، وأخيراً القابل لكل نتائجه وآثاره ومعاناته مكرهين أو فرحين لا فرق، ولو كان التدخل الإنساني لحماية المدنيين من جرائم حرب النظام السوري المجرم غاية لكان ذلك ممكناً من دون انتظار الأسلحة الكيماوية وبعيداً عن مخطط الفكين المفترسين الأميركي والروسي. لكن يا أمة ضحكت من تمزقها الأمم، وها قد وصلت أعداد الأميين لدينا 97 مليون شخص وأنظمتنا تتآمر على ثرواتنا وحرياتنا وتمنعنا من الديموقراطية الحقيقية.

اللهم اني بلغت.


أ.د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0