«فخار يكسر بعضه»!


بداية يجب الإقرار بالحق الدستوري والإنساني لأي فرد باللجوء إلى القضاء متى شاء، وكيف شاء، وفي أي موضوع شاء، فلا سلطان على أي إنسان من الاقتصاص لدى المحاكم كوجه حضاري للنظر في الخلافات والاختلافات بين البشر.

ولكن تبقى هناك تبعات ونتائج للخلافات التي تصل إلى أروقة القضاء إذا كانت منطلقاتها سياسية، وتحت أي عنوان جانبي كانت، ولعل السابقة الجديدة في مقاضاة رئيس مجلس الأمة سوف تعكس مثل هذه التبعات في الأيام القادمة، والتي لن تتعدى حدود

الزوبعات الإعلامية والتأجيج السياسي، في حين تبقى المشاكل الكلية قائمة وملفات الفساد المتنوعة والمتجذرة هي المستفيد الأول لما يثار من غبار العراكات الهامشية.

وحتى لا نتهم أيضاً بأننا نميل إلى جهة أو طرف ضد الآخر، ولبيان الحقيقة المؤلمة التي ندفع ثمنها كبلد وشعب، سوف أسرد سلسلة الأحداث التي واكبت مجالس الأمة تحديداً، وهي واجهتنا السياسية طبعاً، منذ عام 2009 إلى الآن، وكيف أوصلتنا الخلافات الجانبية بين النواب إلى توالي الأزمات وتدحرجها وسط تصفيق وتشجيع جمهور كل فريق، الأمر الذي لم يسمن ولم يغن من جوع، اللهم في جانب التنفيس و"المعاير" والتشفي المتبادل.
وبدأت هذه الظاهرة في مجلس 2009 ثم المجالس اللاحقة، حيث بلغت الشكاوى المتبادلة بين النواب العشرات أسبوعياً

وأغلبيتها كانت كيدية تبعاً لرأي لجنة الشؤون التشريعية، وكانت جلسات رفع الحصانة هي المشهد الحقيقي لتبادل الألفاظ البذيئة والاتهامات والمسخرة السياسية، ومن خلف ذلك زيادة الاحتقان بين الناس لمجرد الفزعة مع نوابهم، ولا أدري حقيقة كم من ذلك

العدد الكبير من القضايا التي حسمتها المحاكم بشكل نهائي، وهل كانت بالفعل تستحق بذلك هذا المسلسل الدراماتيكي؟

وفي موازاة ذلك ظلت الحكومة مرتاحة ومتفرجة و"راكّة" على بيض ملفات الفساد حتى فقست وكبرت طيورها، ونبت ريشها وطارت من غير رجعة، فلم تحاسب محاسبة جدية منذ أواخر مجلس 2009، واغتنمت الفرصة لإدخالنا في متاهات ودهاليز

سياسية ضيقة ومظلمة حتى نسينا كمجتمع وشعب وسياسيين، حتى عناوين هذه الملفات، ناهيك عن طرق وقفها أو ردعها.

هذه هي النتيجة الطبيعية عندما يتحول النواب والسياسيون عموماً إلى فخار يكسر بعضه بعضاً، فهل يستوعب المجلس الجديد هذه الدروس، وبدلاً من الدخول في متاهات شخصية، يواجهون ما هو الأهم والأخطر من "البلاوي" المتراكمة، وبغض النظر عمن هو الحكومي، ومن هو السياسي الأجير؛ لأن الحسبة صارت ضايعة اليوم؟!
أضف تعليقك

تعليقات  0