«جمّول» وتراث المقاومة العربية



صادف يوم 16 سبتمبر / أيلول الجاري انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمّول» عام 1982م، لمواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، والتي أدت في نهاية الأمر إلى اندحار العدو الإسرائيلي وانسحابه من الأراضي اللبنانية.

إن المقاومة الوطنية اللبنانية التي أذهلت العالم ببسالتها، شكلت حركة من النوع الذي نفتقده في حركة التحرر الوطني العربية التي تراجعت للأسف تاركة الساحة لأنظمة عربية متخاذلة تابعة ومستسلمة للمخططات الأميركية - الإسرائيلية، التي ما زالت تضعها الدوائر الامبريالية بتكتيكات وأساليب جديدة لحرف نضال الشعوب العربية من أجل التحرر والتقدم الاجتماعي والتغيير.

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات تنادي بالانصياع للهزيمة في ذلك الوقت، استطاعت «جمول» لم صفوف المناضلات والمناضلين من بنات وأبناء الشعب اللبناني في حركة مقاومة مسلحة ضد عدوان غاشم يتميز بالصلف والغرور على أراضيها، وليقدموا عدداً لا يستهان به من الشهيدات والشهداء والأسرى في سبيل الوطن اللبناني والكرامة الوطنية.

هذه الحركة المجيدة التي بادر بها التقدميون اللبنانيون كانت تأكيداً لدور شعوبنا في فعل وطني مقاوم، ضد تصفية القضية الفلسطينية وتفتيت شعوبنا عن طريق افتعال نزاعات داخلية طائفية ودينية وقبلية، وزرع خلايا إرهابية مدربة على يد الاستخبارات الأميركية ومموّلة من الرجعيات العربية ومنظمات الإسلام السياسي الراضخ للاستعلاء الأجنبي.

لقد أطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية منذ ذلك الوقت حركة نضالية جديدة وقفت في وجه إنجاز المشروع الأميركي الصهيوني الذي يهدف إلى السيطرة على بلداننا وشعوبنا ونهب ثرواتنا وإنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي إلى الأبد بالاستعانة بالأنظمة العربية التي أهدرت أموال الشعوب في فساد غير مسبوق ولبناء وتعزيز أجهزة أمنية وتكديس السلاح ضد شعوبها بدلاً من تعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة الخطر الصهيوني.

لقد جزعت القوى الاستعمارية من انتفاضات الشعوب العربية في ثورات أربكت مشاريعها وأطاحت برموزها المستبدة سواء كانت مدنية أم إسلامية، هذه الثورات استنهضت روحا تحررية جديدة من أجل عزتها وكرامتها، وها هي القوى الامبريالية تجيّش الجيوش وتحشد الأساطيل استعداداً لشن عدوان على منطقتنا وشعوبنا بعدما فشلت سياساتها التآمرية على التراب العربي.

فما زالت الساحة العربية كلها معرضة لإصرار الولايات المتحدة ودول أوروبا وإسرائيل على تنفيذ «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، الذي لم تتغير أهدافه الأساسية في رسم حدود جديدة لدول الشرق الجديد وتحويلها إلى دويلات ضعيفة لصالح التفوق الإسرائيلي وإنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي بما يتوافق مع توسّع «الدولة اليهودية» كما يريدها العدو الإسرائيلي.

لقد فُتت السودان والعراق، وسورية ماضية على الطريق، ودخلت في حروب داخلية طائفية واثنية، وما زالت المحاولات محمومة لإجهاض الثورة المصرية وعرقلة مشروع بناء الدولة الوطنية الديموقراطية المستقلة عن طريق تغذية الإرهاب وعملائها في المنطقة، الذين كشفتهم شعوبنا الطامحة إلى الاصلاح والتقدم والعدالة الاجتماعية.

فتحية إلى «جمول» في ذكرى انطلاقها التي تستلهم شعوبنا من خلالها تراثها النضالي المقاوم، وبناء مجتمعات الحرية والديموقراطية والتنمية الذاتية، بعيداً عن سيطرة الغرب ومنظمتها «صندوق النقد الدولي».


وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0