العزف الغربي على مواضع الجروح بأجسادنا


لا شك أن الغرب يمتلك قدرات هائلة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وديموقراطياً وقيمياً، وهذا هو سر تفوقه وهيمنته التامة على العالم بدوله وشعوبه ومقدراته، لكنه لم يتمكن من اخضاع الدول العربية والاسلامية لهيمنته الكاملة رغم أسباب التفوق المذكورة،

اذ فشلت جميعها في تحقيق ذلك له، وهو ما جعله يعيد حساباته في كيفية تحقيق هذه الهيمنة علينا، فوجد ضالته في استخدام قدراته الهائلة علمياً وفي ربطنا به اقتصادياً، مستفيداً من الجراح العديدة التي تثقل أجسادنا، فعكف في تفوقه العلمي على دراسة جراحنا وكيف يمكنه أن ينكأها أو يدميها كي تظل نازفة فتكون مصدراً للألم والقلق المستمر ويهيمن علينا من خلالها.

فقد أدرك الغرب أن جراحنا تتمثل في ما يلي:

1ــ السلطة غاية وليست وسيلة وهي سر استعداد معظم من يكون بسدة السلطة لابادة شعبه للوصول اليها أو الحفاظ عليها.

2ــ أننا لا نحترم الرأي الآخر ونعشق الاقصاء.

3ــ تتحكم فينا عصبيات الجاهلية الأولى، فئوياً وطائفياً وقبلياً وعنصرياً.

4ــ بأسنا شديد بيننا، فيشمت بعضنا بمصائب بعضنا، ونحرض على بعضنا الآخر، ونعاضد الأنظمة بالبطش والتقتيل لمن نختلف معه، يدفعنا شعور الحسد والأنانية والانفراد.

ومن دراسة الغرب لنا ولتاريخنا ودوره في صنع دولنا في القرن العشرين، وجد أن سياسة «فرق تسد» والتي طبقها باتفاقية سايكس بيكو ومزقت بموجبها الأمة العربية الى دول بل ودويلات، فصار كل منها يتحين الفرصة لينقض على جاره حرباً وقتلاً وتشريداً، أقول وجد الغرب في ذلك جرحاً غائراً فينا ومدخلاً له علينا، فرسم في ضوئها ترتيباته للمنطقة منتقلاً من تركة الرجل المريض الى خارطة الشرق الأوسط الجديد، فشجع قيام ايران الطائفية ممهداً لها الدرب في تحوله العكسي في دعم ايران في حربها مع العراق، اذ تحولت سياسة دعم التسلح والدعم الاعلامي لايران بدل العراق في عام 1984، ثم دعم حركات التمرد للأقليات في جنوب السودان وفي أقباط مصر وعزز المنحى الطائفي في لبنان، ثم هيأ البيئة المناسبة للتطرف بكافة أنواعه مع بعض أنظمتنا العميلة، وغذى التطرف ليكون وسيلة لزرع عدم الاستقرار وتدخله في دولنا بحجة ملاحقة المتطرفين، فقد عزز وجود حزب الله في لبنان، و«طالبان» و«القاعدة» في أفغانستان، وفصائل منها ببعض الدول العربية. وأكمل رسمه للشرق الأوسط الجديد فحرض على الخيار الديموقراطي ونجح بقسم كيان السلطة الفلسطينية لكيانين: «حماس» في غزة و«فتح» في الضفة الغربية، وأقام دولة طائفية في العراق بناها على منظومة عرقية وطائفية واثنية مما جعلها بؤرة مستمرة للتوتر، داخلياً واقليمياً، وهو ربما سائر الى دويلات طائفية في لبنان، وأخرى في سوريا وثالثة في العراق، ولم تكن أياديه خافية عما جرى ويجري في مصر وخلق حالة اللااستقرار فيها، حتى ينتهي المطاف الى استمرار حالة القلق والتشرذم وضمان الهيمنة الكاملة علينا، ولن يتوقف الغرب عن العزف على مواضع الجراح في أجسادنا.

اللهم اني بلغت.




أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0