إصلاح منظومة الرعاية الصحية


لا يحتاج الأمر إلى استبيانات ودراسات كي نكتشف معاناة الناس اليومية، وتذمرهم من سوء الخدمات الصحية سواء طول فترة الانتظار، خصوصاً للعيادات التخصصية والفحوص الدقيقة والعمليات الجراحية أو عدم توافر أسرّة داخل المستشفيات ورداءة تجهيزات الأجنحة والغرف.

ويكفي فقط أن نعرف أن "أحدث" المستشفيات الحكومية الموجودة حالياً قد أنشئ في بداية ثمانينيات القرن الماضي أي قبل أكثر من ثلاثة عقود ازداد خلالها عدد السكان أكثر من ثلاثة أضعاف، وتطور بشكل مذهل مستوى خدمات الرعاية الصحية في العالم، سواء فيما يتعلق بنوعية العلاج وسهولة الحصول عليه بسرعة، أو عدد أسرّة المستشفيات وعدد الأطباء بالنسبة إلى عدد السكان، أو مؤهلات الهيئة التمريضية وعددها بالنسبة إلى المرضى ومستوى تجهيز الأجنحة وغرف المرضى والنظافة العامة.

ويبدو أن الحكومة ليست عاجزة عن تطوير منظومة الرعاية الصحية فحسب، بل إنها أصبحت اليوم غير قادرة أيضاً على توفير الرعاية الصحية الحالية رغم سوئها إلا من خلال التبرعات، حيث اعترف وزير الصحة قبل أيام قليلة بذلك عندما قال للصحافيين إن "وزارة الصحة لا تستطيع أن تقوم بأعمالها لولا كرم المتبرعين سواء من الأفراد أو الشركات الخاصة والعامة" ("الراي" 17 سبتمبر 2013).

وهنا يتبادر إلى الذهن أسئلة محيّرة مثل: ألهذه الدرجة وصلنا؟

أين تذهب الميزانية الضخمة لوزارة الصحة؟ وعلى أي أساس تم رصدها؟

هل هناك سياسة صحية تعمل الوزارة بناء عليها أم أن القضية لا تتعدى اجتهادات فردية تختلف من وزير إلى آخر؟

وكيف تعجز دولة نفطية ثرية عن تقديم رعاية صحية متطورة رغم قلة عدد السكان؟

ثم ماذا عن المبالغ الضخمة التي تصرف منذ سنوات طويلة على العلاج في الخارج، والتي يكفي نصفها لبناء أرقى المستشفيات واستقطاب أفضل الكفاءات الطبية الأجنبية التي يبحث مرضانا عنها في الخارج؟

وإذا كان هذا هو مستوى الخدمات الصحية حالياً رغم الإيرادات النفطية الضخمة، فماذا سيكون مستواها فيما لو انخفضت أسعار النفط لما دون المئة دولار، وهو أمر من المتوقع حدوثه خلال السنوات القليلة القادمة؟!

لذلك، لا بد من إصلاح منظومة الرعاية الصحية، لكن لا ننسى أن القيام بعملية إصلاح شامل وجذري لأي جهاز من أجهزة الدولة، كالصحة أو التعليم أو الاقتصاد أو الثقافة، لا يمكن أن يتحقق في ظل وضع سياسي سيئ لأن المنظومة السياسية الفاسدة لن تكون مستعدة لإصلاح أجهزة الدولة وتطوير خدماتها.

من هنا يصبح من الضرورة بمكان عدم إغفال قضية الإصلاح السياسي المؤسسي عند المطالبة بتحسين مستوى جودة الخدمات الصحية لأن القرارات المؤسسية هي التي تدوم، أما القرارات التي تتخذ بناء على اجتهادات ومصالح فردية فتخضع لاعتبارات غير موضوعية وقد تلغى بجرة قلم في أي لحظة.
أضف تعليقك

تعليقات  0