حال الثقافة من حال البلد


للثقافة بوجه عام علاقة مباشرة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، فكلما كان الوضع العام متطوراً تطورت الثقافة والعكس صحيح. بكلمات أخرى، لا يمكن أن تكون هناك نهضة ثقافية في مجتمع متخلف اقتصادياً واجتماعياً وينتشر فيه الفساد السياسي، فالبيئة المتخلفة والفاسدة لا ينتج عنها سوى الفساد بأشكاله كافة.

لهذا عندما نقرأ عن تاريخ الكويت خلال ستينيات وسبعينيات القرن المنقضي فإننا سنلاحظ التطور المبهر للثقافة والفنون والمسرح والآداب في تلك الفترة، وذلك نتيجة للتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته الدولة الحديثة في بداية إنشائها من جهة، وأجواء الانفتاح على الفكر الإنساني التي كانت جزءاً من مشروع حركات التحرر والاستقلال الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية من جهة أخرى.

وقبل ذلك كان لمجلة "العربي" التي تأسست عام (1958) دورٌ بارزٌ في تعريف قراء اللغة العربية بدولة الكويت الحديثة، كما عرضت في تلك الفترة أفضل المسرحيات المحلية والعالمية، وقدمت فرق موسيقية عالمية مثل فرقة "البالشوي" الروسية عروضها في الكويت، أما في بداية السبعينيات فقد أنشئ "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" الذي صدرت عنه مجلات فكرية وثقافية وأدبية وفنية رصينة ومميزة مثل "عالم المعرفة" و"الثقافة العالمية" و"عالم الفكر" و"المسرح العالمي" و"إبداعات عالمية" التي توزع في عموم البلدان العربية، وتباع بسعر رمزي أتاح المجال أمام الفئات الشعبية والفقيرة في محيطنا العربي للاطلاع على الثقافة الإنسانية واقتناء كنوز معرفية لا تقدر بثمن. فضلاً عما كان يمثله "معرض الكتاب العربي في الكويت" في بداية إنشائه من قيمة ثقافية ومعرفية ليس للقارئ المحلي فحسب بل للقارئ الخليجي أيضا، ناهيكم عن المكتبات العامة المنتشرة في المناطق السكنية.

وبالطبع فقد انتكست حالة الثقافة عندما تراجع مشروع الدولة الحديثة، لهذا فليس من المستغرب انتشار ثقافة الشعوذة والخزعبلات والتعصب والتطرف والغلو والانغلاق الفكري وغياب ثقافة التسامح في المجتمع بعد أن ساد الفكر الرجعي المتخلف، وفرضت الحكومة رقابة مشددة وغير مبررة على معرض الكتاب،

ومنعت الروايات والكتب الفكرية والسياسية الجادة وأُهملت الأجهزة المعنية برعاية الثقافة والفنون الجميلة مثل "المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب" و"المعهد العالي للفنون المسرحية" و"المعهد العالي للموسيقى"، علاوة على تدهور وضع المسرح الجاد، وأهملت المكتبات العامة والمدرسية، وعانت المكتبات الخاصة الجادة، وبعضها اضطر للخروج من السوق.

من هنا فإنه لن يكون هناك اهتمام حقيقي بالثقافة والفنون والآداب ما لم يكن لدينا مشروع دولة مدنية ديمقراطية معاصرة.
أضف تعليقك

تعليقات  0