ركود بلدي!


الإقبال الضعيف على الانتخابات البلدية والذي لم يتجاوز ربع حجم الهيئة الناخبة في الكويت له مدلولاته الثقافية والسياسية، ومع الأسف الشديد فإن هذه المدلولات سلبية ومثيرة للقلق، لأنها تعكس حالة فريدة من التناقض بين الثقافة والسياسة الكويتية.

الكويتيون بشكل عام من أكثر الشعوب تذمراً وانتقاداً للأجهزة الحكومية ومستويات الخدمة العامة في معظم القطاعات، وهذا يدل على جانب مهم من الوعي والمتابعة ولربما أيضاً المعاناة اليومية التي تشهدها أغلبية المراجعين لإنجاز معاملاتهم الشخصية، كما أن المواطن الكويتي دائماً يحمل شعار الإصلاح والتغيير، ولعل الحراك السياسي الأخير كان من مؤشرات نفاد الصبر والإحباط مما هو قائم من رقابة وركود وفساد وتخلف واسع النطاق.

ازداد هذا الشعور المرهف، فنجد السلبية المفرطة لدى أغلبية الناس في التغيير والإصلاح العملي والميداني، والذي يكاد ينحصر في المشاركة المباشرة عبر صناديق الاقتراع، نعم قد تكون الانتخابات البلدية أقل حماسة من الانتخابات التشريعية ولكن تسجيل رقم قياسي آخر في تدني نسبة التصويت في سنة واحدة شهدت ثلاثة انتخابات متتالية أمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية.

الحكومة هي المستفيد الأكبر من هذه السلبية السياسية، فهي مصد لها من الرقابة الفاعلة والمساءلة الحقيقية، ولكن على المدى البعيد قد تغرق هذه الحكومة ومعها الجهاز التنفيذي والإداري برمته في تراكم حجم المشاكل وأنماط الفساد بوعي أو دون وعي، أو عبر نشوة الانتصار والثقة المفرطة بعدم إمكانية مطاردتها ووقفها عند حد معين.

قد تكون الأحداث السياسية الساخنة والأخطاء الجسيمة لبعض ممارسات المعارضة وإسهامها في خلق المزيد من الاصطفافات الفئوية والطائفية والمناطقية، وانقسام المجتمع حول سقف مطالبها العالية ومجهولة الأفق سبباً مهماً في الشعور العام السلبي، وقد يكون الاندفاع الكبير للحراك السياسي الذي أفرغ كل ما عنده من قوة وزخم شعبي وقيادات سياسية في مدة زمنية قصيرة، وخسر الكثير من أوراق اللعبة على المديين المتوسط والطويل عاملاً آخر في حالة الركود

السياسي الحالي، ولكن يجب ألا نغفل التكتيكات الحكومية على مدى عقد من الزمن لخلق شعور منفر تجاه العمل السياسي بل الديمقراطية برمتها، خصوصاً من خلال إرهاق الناس بانتخابات متسارعة ومكررة وباطلة ومبطلة، ساهمت في تراجع كبير لمعدلات التصويت التي كانت لا تقل عن 85 إلى 90% حتى منتصف التسعينيات.

وحسبما يقال بأن "الجود من الماجود"، فإن المؤسسات المنتخبة، وفي مقدمتها مجلسا "الأمة" و"البلدي" الجديدان، تتحمل العبء الأكبر في انتشال البلد والناس من هذا الركود السلبي، وإعادة الثقة بالديمقراطية ومحورية الشعب الكويتي في توجهيها وتقويتها وإنجاحها وإعادة الروح إليها لأنها ببساطة على فراش الموت!

أضف تعليقك

تعليقات  0