الإصلاحات السياسية


ذكرت في مقالي السابق عن الاستفتاء الخاص بأولويات المواطنين أن نتائجه لم تكن مفاجئة خاصة في ما يتعلق باحتلال قضايا الإسكان والصحة والتعليم المراكز الأولى في سلم الأولويات، لأنها تتعلق بحاجات المواطنين الأساسية. لكن المفاجأة كانت باحتلال قضايا الإصلاحات السياسية مراكز متأخرة جداً في سلم الأولويات، ما يدل على أن أغلبية الشعب الكويتي لا تربط بين ضرورة الإصلاحات السياسية وتحقيق المطالب المعيشية الأخرى، وبالتالي فإن القلة ترى أن عدم الارتقاء بالخدمات الأساسية يرجع إلى أسباب سياسية متعلقة بالنظام القائم.

أنا أقف مع القلة وأرى أن أحد أهم الأسباب التي تعوق تقدمنا كدولة، وتساهم في تردي الخدمات الأساسية هي أسباب سياسية متعلقة بالنظام السياسي والبيئة السياسية الناتجة عنه، وبالتالي فإن أي محاولة لحل تلك المشاكل لن تجدي إن لم تصاحبها إصلاحات سياسية. وقد نتفق أو نختلف على ماهية الإصلاحات المطلوبة وتوقيتها والتدرج فيها وكيفية تحقيقها، لكننا لابد أن نتفق على ضرورتها.

يقوم نظامنا السياسي على تركيبة فريدة من نوعها، وقد تكون تلك التركيبة هي العائق الأساسي أمام تقدم النظام. فالمفترض أن يتكون النظام من ثلاث سلطات مستقلة هي التنفيذية والتشريعية والقضائية، واستقلالية السلطات الثلاث ضرورية لضمان التوازن في توزيع القوى بين الشعب والأسرة الحاكمة، وهما طرفا العقد الاجتماعي الذي أفرز نظامنا السياسي. إلا أن واقع الحال غير ذلك فلا الاستقلالية متحققة ولا التوازن في القوى. فالسلطة القضائية تابعة إدارياً ومالياً للسلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية أصبحت إحدى الأدوات السياسية للأسرة الحاكمة، والسلطة التشريعية يخضع العديد من أفرادها لسطوة المتنفذين في السلطة التنفيذية أو أسرة الحكم، من خلال تدخلهم في الانتخابات وفي تركيبة المجالس النيابية. هذا النظام (أو بالأحرى تطبيقه على أرض الواقع) بما يحمله من تداخل في الاختصاصات وخلل واضح في توازن القوى حوّل مشروع بناء الدولة وتطورها إلى مشروع للحكم وللصراع حوله.

ندرك أن الإصلاحات السياسية ضرورية عندما يصل النظام السياسي إلى مرحلة يعيد فيها إنتاج مشاكله دون أدنى محاولة لحلها، وتصبح المشاكل السياسية عائقاً للتنمية ولتلبية حاجات المواطنين الأساسية. عندما يدور النظام في حلقة مفرغة، نصل إلى مرحلة تتطلب التغيير لضمان سير العجلة إلى الأمام بدل دورانها حول نفسها. وتبقى المشكلة الأهم هي الاتفاق على آليات التطوير والإصلاحات السياسية المطلوبة التي لابد أن تأتي نتيجة لتشخيص سليم وعقلاني للواقع السياسي، ونتيجة للتوافق بين جميع الأطراف كي تحقق هدفها في إعادة التوازن.

لكن الإصلاحات السياسية لن تكون مجدية إذا صاحبها تطور النهج، وفي المنظومة الاجتماعية، وفي عقلية الفرد كونه المكون الأساسي للمجتمع، وسوف أتناول هذا الموضوع في مقالات لاحقة.
أضف تعليقك

تعليقات  0