ضربة معول أخرى على جدار الرأسمالية


تمر الولايات المتحدة الأميركية وهي أكبر دولة رأسمالية بأزمة مالية مستجدة، جراء رفض الجمهوريين تمرير ميزانية قصيرة الأجل لتسيير شؤون الدولة بانتظار يوم 17 أكتوبر الذي سيكون موعداً للنقاش حول رفع سقف الدين الأميركي فوق 16700 مليار دولار.

ومنذ الأزمة الاقتصادية الرأسمالية «الكساد الكبير الثاني» 2008م، قامت الولايات المتحدة بالتوسع في الاستدانة وطباعة مزيد من عملة الدولار، ورفع سقف الدين الذي يفترض أن يكون أمراً روتينياً، لكن حدة الخلاف كما يقول أحد الاقتصاديين الكويتيين الشباب جعلته يُستخدم كوسيلة لليّ ذراع حكومة أوباما وتحقيق مكاسب سياسية للجمهوريين، وقد تنعكس على هذا الخلاف في موضوع رفع الدين آثار سيئة جداً على الاقتصاد العالمي، لأنه سيعني افلاس حكومة أكبر اقتصاد عالمي، رغم أن سبب الافلاس سيكون سياسياً أكثر مما هو اقتصادي، وسيعني أيضاً فشل الحزبين اللذين يمثلان الطبقة المهيمنة والمسيطرة في التوافق على إدارة الدولة على اثر أزمة الرأسمالية الأميركية.

وسيكون لأزمة الدين انعكاسات خطيرة على الاقتصاد، إذ من غير المستبعد تسريح عشرات الآلاف من العاملين في القطاع الحكومي وارتفاع معدلات البطالة أكثر مما هي مرتفعة الآن، ويعني كذلك تدهوراً أكثر للحالة المعيشية للفئات الفقيرة بسبب إيقاف برامج الرعاية الاجتماعية، وأيضاً تدهور القطاع الخاص وهروب رؤوس الأموال الخاصة خارج أميركا، مما يعني فقدانها لمركزها ضمن الاقتصادات الأكثر استقراراً في العالم، وليس مستبعداً أن يؤدي ذلك إلى تقويض الهيمنة العسكرية والمالية في العالم بسبب عدم توافر الموارد الاقتصادية الكافية، أي عدم التمكن من تمويل المشروع السياسي الخارجي والتخلي عنه في سبيل تثبيت الاستقرار الداخلي.

ورغم أن السوق النفطية للكويت لا تعتمد على الولايات المتحدة بل سوقها الأساسي هو دول آسيا مثل الهند والصين ودول شرق آسيا، إلا أن الاستثمارات الكويتية قد تقل قيمتها بسبب تدهور الوضع الاقتصادي العام وخاصة هيئة الاستثمار الكويتية، حيث من المتوقع أن تتزعزع العملة لكن من غير المعروف لأي درجة حتى الآن.

وقد أدت هذه الأزمة المالية الأميركية الجديدة إلى قلق أوروبي وصيني وياباني، والتي قد تمتد تداعياتها إلى الكويت والخليج بل والعالم أجمع، حيث هناك تحذير من عواقب كارثية من شأنها أن تخفض من قيمة الدولار وتسبب تجميداً لأسواق الائتمان مع زيادة معدلات الفائدة وخسائر في أسواق المال، في الوقت الذي هزأت فيه صحيفة سريلانكية قائلة»: علينا إعادة تغليف النصائح الأميركية وبشأن الحكم الرشيد وإعادتها للمرسل».

ويذكر أن عدداً من الإدارات المركزية في الولايات المتحدة مقفلة، منها وكالة الفضاء «ناسا» وهي إحدى الوكالات الفيدرالية التي تأثرت بالإغلاق الجزئي للحكومة، وأجبر نحو 18 ألفا من العاملين بها أي بنسبة 97 في المئة من إجمالي قوة العمل بالوكالة على إجازات قسرية من دون راتب، وتم وضع ما يقارب 900 ألف موظف فدرالي «حكومي» أي بنسبة 43 في المئة من إجمالي موظفي القطاع الحكومي في حالة الإجازات القسرية غير المدفوعة.

هذه الأزمة المالية تشكل ضربة معول جديدة على جدار أعتى القلاع الرأسمالية، لتؤكد أن الأزمة الرأسمالية الاقتصادية العالمية التي تبلورت عام 2008م، هي أقوى أزمة اقتصادية للنظام الرأسمالي الذي وصفه فوكوياما بـ«نهاية التاريخ»، وترنّح هذا النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي سينعكس على دولنا، سيدفع البشرية إلى مزيد من الفقر والمعاناة والبطالة، لكن هل سيتخلى هذا النظام عن صلفه وادعاءاته ومحاولاته التحكم بمصائر شعوبنا ونهب ثرواتنا؟

وليد الرجيب
osbohatw@gmail.com

أضف تعليقك

تعليقات  0