دول الخليج والديمقراطية




تحاول أنظمة دول الخليج الحد من تداعيات التغيرات الجذرية في منطقتنا العربية لا سيما بعد ثورات الربيع العربي، ولكنها سترتكب خطأ جسيما على المدى المنظور إن ظنت أن تشديد القبضة الأمنية أو قدراتها المالية في الوقت الراهن أو الاثنين معا سيحققان ذلك، حيث إن العكس هو الصحيح.

لقد أثبتت تجارب البشرية أن توسيع قاعدة المشاركة السياسية وتجذير الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة هي التي توفر الاستقرار السياسي، فكلما ضاقت القاعدة الشعبية للحكم ازداد احتكار السلطة والثروة، وانتشر الفساد السياسي وقلت، بالتالي، درجة الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ومن المستحيل توسيع قاعدة المشاركة السياسية بمجرد إنشاء أجهزة بمسميات شعبية مع انتخابات صورية أحياناً؛ كي تبدو شكليا وكأنها "مؤسسات دستورية ديمقراطية"، كما هي الحال حاليا في معظم دول الخليج، بل إن ذلك يتحقق من خلال وجود مؤسسات دستورية حقيقية لنظام ديمقراطي يقوم على أساس التداول السلمي للسلطة التنفيذية والتعددية، وفصل السلطات وسيادة القانون، وهو الأمر الذي يتطلب وجود مشروع دولة مدنية ديمقراطية لا مشروع حكم فقط، وإصلاحات سياسية جذرية وشاملة تمهد الطريق بشكل سلمي لقيام نظم ملكية دستورية حديثة.

لهذا ففي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية والتحديات التنموية الصعبة التي تواجها دول الخليج فإن المطالب المستحقة لشعوب المنطقة بممارسة حقها في المشاركة في إدارة دولة ديمقراطية دستورية حديثة أصبحت أمراً ملحاً الآن، حتى لا تضيق القاعدة الشعبية للأنظمة السياسية في الخليج، فتصبح مع الوقت معزولة شعبياً، ما قد يؤدي إلى خلخلة الجبهة الداخلية وعدم الاستقرار السياسي،

وهو الأمر الذي سيسهل التدخلات الخارجية، ويزيد من قوة ونفوذ القوى المتطرفة المعادية فكرياً وسياسياً للديمقراطية والمدنية والحريات والدولة الحديثة، والتي تحلم بالعودة بمجتمعاتنا قروناً للوراء، وهي القوى المتخلفة ذاتها التي تحالفت معها أنظمة

الخليج طيلة العقود الأربعة الماضية، ووفرت لها تسهيلات كثيرة مكنتها من نشر خطابها السياسي الإقصائي المتخلف، بينما ضيقت الخناق على القوى المدنية والديمقراطية، وتعاملت بشكل عدائي مع دعواتها الصادقة والمتكررة لتوسيع المشاركة الشعبية، وتجذير الديمقراطية وحماية الحريات العامة والشخصية، وها نحن اليوم نرى نتائج ذلك على أرض الواقع.

وغني عن البيان أن إقامة أنظمة دستورية ديمقراطية من شأنه توسيع القاعدة الشعبية لأنظمة الخليج، فضلاً عن إعطاء الحق للجميع بالمشاركة السياسية والعمل العلني تحت مظلة القانون، إذ لا يجوز إقصاء أي طرف سياسي مهما بلغت درجة الاختلاف الفكري والسياسي طالما التزم بقواعد العملية السياسية التي تنطبق على الجميع دون استثناء.

أضف تعليقك

تعليقات  0