جهالة التعصب الأعمى


بين ظهرانينا بُعث رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم، ومن جزيرة العرب وبلسانها نطق وحي رسالته إلينا، وقد أوصانا بوصية بليغة، فقد قال عليه الصلاة والسلام «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية»، صحيح مسلم.

إن من مظاهر وهن الأمم أن يشيع بينها سلوك التنافر والبغض والوشاية والشماتة النابع من التعصب المهلك للأمة والمفكك للدولة، وتتصدع بوجوده كل قيم الحضارة والإنسانية.

وأشير هنا إلى ثلاثة نماذج لجهالة العصبيات المقيتة، وهي الحزبية والطائفية والقبلية:

1 - ففي الفئة الأولى، وهي الحزبية، فقد رصدت السقوط المدوي للأحزاب والتيارات السياسية والفكرية العربية منذ بواكير نشأتها، وقد ترسخت وازدادت بمرور الأيام التي كشفت عدم مصداقيتها الوطنية، وانهيار كل المبادئ التي تدعيها أو تنادي بها، فقد أثبتت الممارسات اصطفافها مع السلطة ضد بعضها، انقياداً لمصالح حزبية ضيقة، بل وتحريض بعضها على الآخر، وترويج إشاعات الإعلام الفاسد وأبواقه، لتظفر بمكاسب خاصة وإقصاء الآخرين، فلا وجود للإيمان بالرأي الآخر، بل إنها تجنح إلى التخوين وأن تكون الجلاد، فتلفق وتستهون مشاهد القتل والتصفية لا لشيء إلا طرباً بتعصبها بأن خصومها الفكرية أو السياسية أو الحزبية قد تمت إزاحتهم عن المشهد السياسي، فلا ترى إلا نفسها أو المنتمين إلى توجهها، وليسحق كل مخالف، وهو ما خلّف إرثاً مريعاً من الخصومة والتصفية الفكرية أو السياسية أو الجسدية المتواصلة تبعاً لأحوال كل بلد، ولكنها جميعاً وقعت في مستنقع جهالة التعصب.

2 - أما الفئة الثانية وهي الطائفية، سنية أو شيعية، ومن شواهدها طائفية بعض الشيعة، فقد ظلوا لأزمنة يبرزون اضطهادهم من قبل السنة، أنظمة وشعوباً، ليس - حتماً - باعتبار تلك حقيقة بأدلتها وإنما منهجهم لتغذية الولاء الطائفي، فها هي إيران صارت دولة مذهبية شيعية منذ 35 عاماً، وصارت نموذجاً للتعصب الطائفي تغذية وتصديراً خارجياً وتصفية وتدميراً داخلياً للسنة في إيران. وأخيراً، إجراماً وتقتيلاً في سوريا. والعراق مثال صارخ على ذلك، فالمالكي وحكومته، ومنذ 9 سنوات، أدخلا العراق في حمامات الدماء المتلاحقة بسبب طائفيتهما القائمة على الإقصاء والتصفية. وأسجل، أيضاً، مواقف تعصب طائفي لشخصيات شيعية توجهاتها ليبرالية في الكويت، فمنهم، وللأسف، من يساند سوريا من منطلقات طائفية لا ليبرالية، ويكتبون بنقد وربما جلد التيار السياسي الديني السني دون الشيعي، والإرهاب عند بعضهم سني فقط! وحتى حقوق الإنسان وحمايتها فيها انحياز للطائفة وليست موضوعية، وكتاباتهم شاهد على ذلك، وأطالبهم وغيرهم بأن يتخلوا عن هذا التعصب.

3 - أما الفئة الثالثة، فهي العصبية القبلية التي عادت بنا بممارستها إلى الجاهلية الأولى، فلئن كان لا غضاضة في أن يعرف الإنسان أصوله ويعتز بها، ولكن من نذر الفتنة والهلاك أن يبني الإنسان أعماله وقرارته وربما حياته على أساس ولاء قبلي، فلا يسعى إلى دفع ظلم ولا مطالبة بحق إلا لقبيلته، وولاؤه ليس للدولة ولا لمؤسستها ولا لعمله، ولا حتى للقيم الدينية أو المجتمعية، وإنما لقبيلته، والاصطفاف السياسي والانتخابي والمطلبي ليس منطلقاته وطنية، بل محددات قبلية، مما يكشف جهالة التعصب ومخاطره.

إن العصبية بجميع أصنافها جهالة تشيع الفتنة التي لا تبقي ولا تذر، وهي علة تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم منها، ونهيه عنها، إن إغراقنا لأنفسنا في جهالة التعصب قد أورثنا الفرقة والتشتت، ومكّن لأعدائنا الهيمنة علينا، فهل عاد كل منا إلى صوابه ورشده إن كانت فيه بقية من دين أو وطنية أو رجاحة عقل؟

اللهم إني بلّغت،،،



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0