عولمتنا وعولمتهم!


مفاهيم وتطبيقات العولمة أبهرت كل من يعيش على سطح هذا الكوكب؛ لأنها فتحت الحدود وألغت الحواجز وفجّرت مجالات التواصل البشري بكل أشكاله، حتى صارت عمليات التدفق لا حدّ لها على الإطلاق.

من أبرز ملامح هذا التدفق سهولة انتقال الناس عبر الحدود الجغرافية، خصوصاً في البلدان المتجاورة، من خلال الهوية الشخصية أو حتى بدون "إحم ولا دستور" ولا استئذان كما هو حاصل في القارة الأوروبية، وهذه الميزة في العبور بحرية لا تتوقف على كونك مواطناً أوروبياً، بل حتى لو كنت من دولة أجنبية بمجرد عبور منفذ أي من هذه الدول الأوروبية.

تنبع فلسفة العولمة من ضرورة الاستفادة المثلى من أي إنسان سواء كان يملك فكراً أو مالاً أو حتى لمجرد دخوله إلى مناطق أخرى بغرض التعرف على معالمها وثقافتها لنقلها فيما بعد إلى بلاده، ولهذا نرى مؤشرات التدفق البشري وصلت إلى مستوى خيالي وغير مسبوق في السفر لدواعي السياحة أو العمل أو الهجرة أو إبرام الاتفاقيات والشراكات في تعددية جميلة، ويحاول الكثير من المنظرين وعلماء السياسة والاجتماع والاقتصاد الترويج لهذا النمط من التفاعل البشري كمقدمة لفهم متقارب، وتجانس الثقافات والحضارات سعياً من أجل تحقيق السلام العالمي.

في مقابل هذا الحلم البشري نجد صورة قبيحة لعولمة من نوع آخر، أبطالها بعض العرب والمسلمين من أصحاب الميول الدينية المتطرفة والحاقدة على كل ما يعارض فكرها ونهجها، وهي عولمة الإرهاب، فمع بدايات انهيار الإمبراطورية الشيوعية والانفجار المعلوماتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي ظهرت ميليشيات عسكرية مرتبطة بتيارات إسلامية تقاتل في أنحاء العالم العربي والإسلامي المختلفة بدءاً من أفغانستان وانتهاءً بالمغرب العربي.

وتبعاً لنموذج العولمة، فإن تدفق هؤلاء المقاتلين من جنسيات مختلفة لم يترك دولة في المنطقة إلا اخترق حدودها ومنافذها فوصلوا إلى مدنها الرئيسة وقراها النائية دون أذونات سفر أو تأشيرات دخول. وبشكل غريب وعجيب، فإن هذه الجماعات تملك الأصول المالية الضخمة والعتاد الحربي بكل أنواعه، واستخدمت كل ذلك في القتل والترويع وقطع الرؤوس وتفخيج السيارات وخطف الرهائن، وذلك في مسار متناقض تماماً مع أهداف السلام الدولي الذي تسعى إليه العولمة أو إحدى فلسفاتها على أقل تقدير.

هذه الجماعات بالتأكيد لا تعمل خارج نطاق العديد من الأجندات الحكومية وأجهزة استخباراتها وجهات تمويلية رسمية من أموال الشعوب، إن لم يكن تحت إشرافها المباشر في إشارة ضمنية أيضاً إلى مفهوم العولمة ومنطلقاتها في عقلية حكومات هذا الجزء من العالم.

أما نتيجة العولمة في النموذجين فهي مزيد من التكاملات الإقليمية وفلسفة التعايش السلمي في الغرب "الكافر" مقابل ملايين الأجساد الممزقة والرؤوس المنحورة والأطفال المشردين والمليارات من الأموال الضائعة في عالمنا "المسلم"!
أضف تعليقك

تعليقات  0