الدهاء السياسي الإيراني


تزامناً مع انتخاب الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني، أظهرت ايران أنها قررت ارتداء ثوب الانكماش السياسي الموجّه، فالمتعقب لنظام الحكم في ايران في ظل الجمهورية الاسلامية منذ قيامه،

يلحظ أنه تبنى حزمة من السياسات، تتسم بمنهج «التمدد والانكماش السياسي»، فبعد نجاح الثورة الايرانية، التي أتت بالسيد الخميني مرشدا أعلى للثورة والسلطة الفعلية في ايران ما بين 1979 و1980، وبعد بدء الترتيبات الجديدة لنظام دستوري شيعي مرجعي، على أساس مفهوم «ولاية الفقيه»،

 وبعد أن بدأت ملامح سياسات العداء للغرب وتكوين حرس حماية الثورة وتصديرها، تم التراجع بسرعة عنها لإظهار إيران بالدولة المعتدلة، من خلال التعجيل بتعيين رجل مدني لرئاسة إيران (أبو الحسن بني صدر ـ فبراير 1980 يونيو 1981)،

بدلا من رجال أمثال السيد الخميني، وهدأ نوعا ما من القلق الغربي من نظام شيعي متطرف يحكمه الملالي، لكن ذلك لم يكن كافيا، حيث إن الخميني احتفظ بمنصب يعلو منصب الرئيس، وهو المرشد الأعلى للثورة، وقد عجل ذلك في اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (سبتمبر 80 وحتى أغسطس 1988)،

وقد تمت إزاحة الرئيس المؤقت، ليتم انتخاب علي خامنئي رئيساً (1981 - 1989)، ليكون طابع إيران المتشدد قد عاد إلى الواجهة، لكن في السنة الرابعة للحرب، بدأت إيران حقبة الانكماش السياسي المقرون بتعزيز تيار الاعتدال،

وهو ما هيأ لترتيب فوز رفسنجاني، ولم تكن إيران خلال هذه الفترة متخلية عن سياساتها السابقة، وهي بصورة ذكية تتعامل مع الغرب عبر مصانعه ومنتجاته، ومع روسيا والصين وكوريا الشمالية ببرنامج التسلح النووي،

 بدراية وإحاطة من الغرب ومتابعته عن كثب، حتى بدأ الغرب يثير الملف النووي الإيراني بصورة دعائية، فقد اتخذ الغرب عام 2004 توجهاً لدعم التيار الشيعي الإيراني، فسمح لحزب الله بالتمدد داخل لبنان، وأقام في العراق دولة شيعية،

 ولم يسمح بسقوط نظام الأسد، المرتبط بإيران.

 وقد أتقنت إيران بدهاء سياسي لعبة التمدد والانكماش السياسي وفقا لترتيبات الغرب ومعطياته، فهي بعد أن جاءت بالرئيس أحمدي نجاد، المتشدد في خطاباته النارية ظاهرا على الغرب وإسرائيل، عادت بترتيب نجاح رئيسها الجديد حسن روحاني، الذي تحدث مع أوباما هاتفيا لأول مرة في تاريخ النظام الجديد،

 وبدأت أركان حكومته اتصالات مكثفة مع الغرب، أحدثها لقاء جنيف مع مجموعة الـ1+5، بخصوص الملف النووي الإيراني، وهل يُعقل أن تتغير سياسة دولة مثل إيران خلال ثلاثة أشهر بعد انتخاب رئيس جديد؟

وهل يُعقل أن تغير أميركا والغرب سياساتهم لفتح الحوار بهذه السرعة؟ أم الموضوع مرتب له، حتى لا يسقط حلفاء إيران في سوريا وغيرها؟!

 لقد نجحت ايران في سياسة الانكماش السياسي في هذه المرحلة، ولكن ما الثمن؟ وأين سيكون تمددها السياسي المقبل؟ وسنرصد ما تحمله الأيام من أحداث.

اللهم إني بلغت.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0